الشيخ محمد هادي معرفة
319
تلخيص التمهيد
وما نقرأه اليوم هو الذي كان يقرأه المسلمون في العهد الأوَّل ، وما نجده اليوم من النصِّ المثبت بين الدفَّتين هو الَّذي أثبته السلف الصالح كما أخذوه من فيّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بلا تحوير ولا تحريف قطّ . حدَّث محمَّد بن سيرين ( ت 110 ه ) عن عبيدة السلماني ( ت 73 ه ) قال : القراءة الَّتي عرضت على النبي صلى الله عليه وآله في العام الَّذي قبض فيه هي القراءة الَّتي يقرأها الناس اليوم « 1 » . وقال خلّاد بن يزيد الباهلي ( ت 220 ه ) : قلت ليحيى بن عبد اللَّه بن أبي مليكة ( ت 173 ه ) : إنَّ نافعاً حدَّثني عن أبيك عن عائشة أنَّها كانت تقرأ : « إذ تلقونه » - بكسر اللام وضمّ القاف « 2 » - وتقول : إنَّها من ولق الكذب ! فقال يحيى : ما يضرّك أن لا تكون سمعته عن عائشة ، وما يسرّني أنّي قرأتها هكذا ، ولي كذا وكذا ! قلت : ولِمَ ؟ وأنت تزعم أنَّها قد قرأت ! قال : لأنَّه غير قراءة الناس . ونحن لو وجدنا رجلًا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلّاالتوبة أو نضرب عنقه . نجيء به نحن عن الامَّة عن النبي صلى الله عليه وآله عن جبرائيل عن اللَّه عزَّوجل ، وتقولون أنتم : حدَّثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى ! أنَّ ابن مسعود يقرأ ما بين اللوحين ، ما أدري ماذا ؟ إنَّما هو واللَّه ضرب العنق أو التوبة « 3 » . انظر إلى هذا الوصف الجميل عن تواتر النصّ وأصالته ، يرويه امَّة عن امَّة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، لا فلان عن فلان ! ويجعل المعيار لمعرفة القراءة الصحيحة هي : « قراءة الناس » . ويجعل غيرها شاذَّة لا تجوز قراءته بتاتاً أو يضرب عنق قاريها ، وليس سوى أنَّه خارج عن قراءة الناس ! قال هارون بن موسى الأزدي صاحب القراءات ( ت ح 200 ه ) : ذكرت ذلك لأبي عمرو بن العلاء ( ت 154 ه ) - أي القراءة المعزوَّة إلى عائشة - فقال : قد سمعت هذا قبل أن تولد - خطاباً إلى هارون - ولكنّا لا نأخذ به . وفي رواية أخرى قال أبو عمرو : إنّي أتّهم
--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 50 . ( 2 ) والقراءة المشهورة : « تلقونه » بفتح اللام والقاف المشدّدة . ( النور : 15 ) . ( 3 ) المرشد الوجيز : ص 180 .