الشيخ محمد هادي معرفة
320
تلخيص التمهيد
الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامَّة « 1 » . فقد جعل أبو عمرو من « رواية العامَّة » مقياساً لمعرفة القراءة الصحيحة الجائزة ، وأمّا غيرها فمردود وغير جائز الأخذ إطلاقاً . وقال محمَّد بن صالح ( ت 168 ه ) : سمعت رجلًا يقول لأبي عمرو بن العلاء : كيف تقرأ « لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ . وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ » « 2 » ؟ فقال : « لا يعذّب » بالكسر ، فقال له الرجل : كيف ؟ وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله « لايعذَّب » بالفتح ! فقال له أبو عمرو : لو سمعت الرجل الَّذي قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله ، ما أخذت عنه ، أو تدري ما ذاك ؟ لأنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامَّة « 3 » . هذه الرواية كسابقتها في جعل « ما جاءت به العامَّة » معياراً لمعرفة القراءة الصحيحة عن الشاذَّة . وقال ابن قتيبة ( ت 276 ه ) : كلّ ما كان من القراءات موافقاً لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه جاز لنا أن نقرأ به . وليس لنا ذلك فيما خالفه ، لأنَّ المتقدِّمين من الصحابة والتابعين قرأوا بلغاتهم وجروا على عادتهم وخلَّوا أنفسهم وسوم طبائعهم ، فكان ذلك جائزاً لهم ولقوم من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل عارفين بالتأويل ، فأمّا نحن معشر المتكلِّفين فقد جمعنا اللَّه بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض ، وليس لنا أن نعدوه ، كما كان لهم أن يفسِّروه وليس لنا أن نفسِّره . ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا لجاز لنا أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتَّأخير ، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمَّة الموفَّقون « 4 » . هذا كلام إمام محقّق ، يجعل من « مصحفنا » - معشر المسلمين - مقياساً لمعرفة القراءة الصحيحة ، وينبِّه على أنَّ اختيار السلف « هو آخر العرض » الَّذي لا يمكن تغييره بتاتاً :
--> ( 1 ) المصدر : ص 181 . ( 2 ) الفجر : 25 و 26 . ( 3 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 452 نقلًا عن منجد المقرئين لابن الجزري . ( 4 ) تأويل مشكل القرآن : ص 42 .