الشيخ محمد هادي معرفة

312

تلخيص التمهيد

وما تلك التعاليل والحجج الاجتهادية لتوجيه القراءات ؟ إذ لم تعد حاجة إلى تعاليل لو كانت منقولة عن النبي صلى الله عليه وآله بسند صحيح ! وقد تقدَّم توضيح ذلك جميعاً . * * * أمّا اشتراط « موافقة العربية » فقد حطَّ من قيمته ، أو ألغى أثره بالمرَّة ، إضافة قيد « ولو بوجه » ، ولا سيَّما مع تعميم القسطلاني : « سواء كان راجحاً أم مرجوحاً » « 1 » . إذ ما من قراءة مهما كانت شاذَّة فإنَّ لها توجيهاً في العربية ، بعد أن كانت قواعدها ذات مطاطية قابلة للانعطاف مع مختلف الوجوه . نعم ، لابدَّ لهم من إضافة هذا القيد ، بعد أن كانت القراءات ولا سيَّما السبع ذات طابع تحميلي ، فيجب قبولها ، ومن ثمَّ يجب توجيهها حسب الإمكان . إنَّ هذه الأركان وضعت على ضوء التسالم على القراءات السبع أو العشر ، ومن ثمَّ يجب تحويرها بما يتَّفق معها ، فهي علاج للقضية بعد وقوعها . فاللازم هو التصرّف في الشرائط بما يتلاءم ووجوه القراءات ، وليست القراءات هي الَّتي تناقش على ضوء هذه الأركان . ولذلك تجدهم يعالجون حدود هذه الشرائط حسب ما ورد من قراءات هؤلاء السبعة أو العشرة ، ولم نرهم يناقشون قراءة مأثورة عن هؤلاء على ضوء الأركان المذكورة . قال الداني - بعد حكاية إنكار سيبويه لإسكان أبي عمرو في مثل « بارئكم » و « يأمركم » - : والإسكان أصحّ في النقل وأكثر في الأداء ، وهو الَّذي أختاره وآخذ به . قال : وأئمة القرّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربيَّة ، بل على الأثبت في الأثر والأصحّ في النقل ، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربية ولا فشوّ لغة ، لأنَّ القراءة سنَّة متَّبعة يلزم قبولها والمصير إليها « 2 » . انظر إلى هذا التزمّت والاختيار التقليدي المحض ، وإن دلّ فإنَّما يدلّ على مبلغ ضغط التحميل المذكور . وسنبحث عن مناشئ هذا التحميل الَّذي تحقَّق على يد قارئ بغداد الرسمي « ابن

--> ( 1 ) راجع لطائف الإشارات : ج 1 ص 67 . ( 2 ) نقلًا عن كتابه « جامع البيان » ، النشر : ج 1 ص 10 .