الشيخ محمد هادي معرفة

313

تلخيص التمهيد

مجاهد » على رأس القرن الرابع ، كما أنّ المذاهب الفقهية انحصرت - في نفس الوقت - في أربعة ، وأغلق باب الاجتهاد وحرّية اختيار المذهب خارج الأربعة . يقول ابن الجزري : وقولنا في الضابط « ولو بوجه » نريد وجهاً من وجوه النحو ، سواء كان أفصح أو فصيحاً ، مجمعاً عليه أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرّ مثله إذا كانت القراءة ممّا شاع وذاع ، وتلقّاه الأئمّة بالإسناد الصحيح ، إذ هو ( أي الإسناد الصحيح إلى القارئ ) الأصل الأعظم والركن الأقوم . وهذا هو المختار عند المحقِّقين في ركن موافقة العربية . فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يُعتبر إنكارهم ، بل أجمع الأئمَّة المقتدى بهم من السلف على قبولها ؟ « 1 » . . . ثمَّ يذكر أمثلة من قراءات أنكرها أئمَّة النحو ، لكنَّها وقعت مورد القبول ، لأنَّها مأثورة عن القرّاء بالإسناد الصحيح . وهكذا يقول القسطلاني : والمراد باستقامة وجهه في العربية ، سواء كان راجحاً أم مرجوحاً ، كقراءة حمزة : « وَالْأَرْحامَ » بالجرّ ، وقراءة أبي جعفر : « لِيَجْزِيَ قَوْماً » بالبناء للمفعول ونصب « قوماً » ، والفصل بين المضافين في قوله : « وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . . . الآية » « 2 » . انظر إلى هذا التهافت في الاختيار ، تراهم لايتجاوزون حدود تقليد مفروض عليهم ويزعمونه تحقيقاً في البحث وحرّية في الاختيار . إنَّ أكثر القراءات الَّتي جاءت في كلام ابن الجزري وغيره هي من الشواذّ المخالفة لقواعد اللغة رأساً ، ولا يجيز الفقهاء قراءتها في صلاة ولا في غيرها ، وقد تقدَّم إنكار أحمد بن حنبل كثيراً من قراءات حمزة ، وكذلك غيره ، ومع ذلك فإنَّ بعضهم يقف من هذه القراءات موقف المتحمّس الحادّ من غير مبرِّر معقول . يقول ابن السبكي : القراءات السبع - الَّتي اقتصر عليها الشاطبي ، والثلاثة الَّتي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف - متواترة ، معلوم من الدين بالضرورة ، وأنَّه منزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، لا يكابر في شيء من ذلك إلّاجاهل . وليس تواتر شيء منها مقصوراً

--> ( 1 ) النشر : ج 1 ص 10 . ( 2 ) لطائف الإشارات : ج 1 ص 67 .