الشيخ محمد هادي معرفة

29

تلخيص التمهيد

إنسان بها لا بهذه الشخصية العادية - عادوا يعترفون أيضاً بالوحي ، الوحي الَّذي يدَّعيه الأنبياء ملأ كتبهم النازلة المنسوبة إلى السماء . ولكن فسَّروه تفسيراً يختلف عمّا قرَّره علماء الدين الإسلامي - على ما سبق تعريفه بأنَّه إلقاء من خارج الوجود إمّا قذفاً في قلب أو قرعاً في سمع - . قالوا : الوحي عبارة عن إلهامات روحية تنبعث من داخل الوجود ، أي الروح الواعية هي الَّتي تعطينا تلكم الإلهامات الطيّبة الفجائية في ظروف حرجة ، وهي الَّتي تنفث في روع الأنبياء ما يعتبرونه وحياً من اللَّه ، وقد تظهر نفس تلك الروح المتقبّعة وراء جسمهم ، متجسّدة خارجاً فيحسبونها من ملائكة اللَّه هبطت عليهم من السماء ، وما هي إلّاتجلّي شخصيّتهم الباطنة ، فتعلّمهم ما لم يكونوا يعلمونه من قبل ، وتهديهم إلى خير الطرق لهداية أنفسهم وترقية امّتهم ، وليس بنزول ملك من السماء ليلقي عليهم كلاماً من عند اللَّه . هذا ما يراه العلم الأوروبي التجريبي الحديث في مسألة الوحي . ودليلهم على ذلك : أنَّ اللَّه أجلّ وأعلى من أن يقابله بشر أو يتَّصل به مخلوق ، وأنَّ الملائكة مهما قيل في روحانيَّتهم وتجرّدهم عن المادَّة فلا يعقل أنَّهم يقابلون اللَّه أو يستمعون إلى كلامه . لأنَّ هذا كلَّه يقتضي تحيّزاً في جانبه تعالى ، ويستدعي عدم التنزيه المطلق اللائق بشأنه جلَّ شأنه ، ولأنَّ الملائكة مهما ارتقوا فلا يكونون أعلى من الروح الإنساني الَّتي هي من روح اللَّه نفسه ، فمثلهم ومثلها سواء . وبهذه النظرية حاولوا حلّ ما عسى أن يصادفوه في بعض الكتب السماوية من أنواع المعارف المناقضة للعلم الصحيح طبيعياً وإلهياً . فهم لا يقولون بأنَّ تلك الكتب قد حرِّفت عن أصلها الصحيح النازل من عند اللَّه ، ولكنَّهم يقولون بأنَّ الشخصية الباطنة لكلّ رسول إنَّما تؤتي صاحبها بالمعلومات على قدر درجة تجلّيها وعبقريَّتها ، وعلى قدر استعداده لقبول آثارها ، ومن ثمَّ قد تختلط معارفها العالية بمعارف باطلة آتية من قبل شخصيَّته العادية ، فيقع في الوحي خلط كثير بين الغثّ والسمين ، فترى بجانب الأصول العالية الَّتي لم