الشيخ محمد هادي معرفة

30

تلخيص التمهيد

يعرفها البشر إلى ذلك الحين ، اصولًا أخرى عامية اصطلح عليها الناس إلى ذلك الزمان « 1 » . * * * وبعد ، فإذا ما أخضعتهم الحقيقة العلمية ، على طريقة تجريبيَّة قاطعة ، بأنَّ وجود الإنسان الحقيقي هو شخصيَّته الثانية القابعة وراء هذا الجسد ، وأنَّه يبقى خالداً بعد فناء الجسد ، فما عساهم امتنعوا من الاعتراف بحقيقة الوحي كما هي عند المسلمين ! ؟ لا شكَّ أنَّ ما وصلوا إليه خطوة كبيرة نحو الواقعية ، لا نزال نقدِّرها تقديراً علمياً ، لكنَّها بلا موجب توقَّفت أثناء المسير ودون أن تنتهي إلى الشوط الأخير . إنَّ منار العلم وضوء الحقيقة قد هدياهم إلى الدرب اللائح ، وكادوا يلمسون الحقيقة مكشوفة بعيان ، فوجدوا وراء هذا العالم عالماً آخر مليئاً بالعقول ، ووجدوا من واقع الإنسان شخصيةً أخرى وراء شخصيَّته الظاهرة . فهاتان مقدّمتان أذعنوا لهما ، وقد أشرفتا بهم على الاستنتاج الصحيح وصاروا منه قاب قوسين أو أدنى ، لكنَّهم بلا موجب توقّفوا ، وأنكروا حقيقة كانوا على وشك لمسها . فعلى ضوء هاتين المقدَّمتين ، لا مبرّر لعدم فهم حقيقة اتّصال روحيّ خفيّ يتحقَّق بين ملأ أعلى وجانب روحانيّة هذا الإنسان . فيتلقّى بروحه إفاضات تأتيه من ملكوت السماء وإشراقات نورية تشعّ على نفسه من عالم وراء هذا العالم المادّي ، وليس اتّصالًا أو تقارباً مكانيّاً لكي يستلزم تحيّزاً في جانبه تعالى . وأظنّهم قاسوا من أمور ذاك العالَم غير المادّي بمقاييس تخصّ العالم المادّي ، مع العلم أنَّ الألفاظ هي الَّتي تكون قاصرة عن أداء الواقع ، وأنَّ التعبير بنزول الوحي أو الملك تعبير مجازي ، وليس سوى إشراق وإفاضة قدسية ملكوتية يجدها النبيّ صلى الله عليه وآله حاضرة نفسه ، ملقاة عليه من خارج روحه الكريمة ، وليست منبعثة من داخل كيانه هو . هذا هو حقيقة الوحي الَّذي نعترف به ، من غير أن يقتضي تحيّزاً في ذاته تعالى .

--> ( 1 ) راجع دائرة معارف القرن العشرين : ج 10 ص 715 فيما نقله عن العلّامة « ميرس - Myers » من كتابه « الشخصية الإنسانية » ص 77 فما بعد .