الشيخ محمد هادي معرفة
264
تلخيص التمهيد
وهكذا قرأ ابيّ بن كعب : « كلما أضاء لهم مرّوا فيه » و « سعوا فيه » بدل « مَشَوْا فِيهِ » « 1 » . وكان يقول : إن قلت : غفوراً رحيماً ، أو قلت : سميعاً عليماً أو عليماً سميعاً ، فاللَّه كذلك ، مالم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب « 2 » . وتبعهما في ذلك أنس وأبو هريرة أيضاً . قرأ أنس : « إن ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأصوب قيلًا » . فقيل له : يا أبا حمزة ، إنّما هي « وَأَقْوَمُ قِيلًا » ، فقال : « أقوم » و « أصوب » و « أهدى » واحد « 3 » . وكان أبو هريرة يجوِّز تبديل « عليماً حكيماً » إلى « غفوراً رحيماً » « 4 » . هذا ، ولكنَّه مذهب فاسد في رأي المحقّقين ، ومن ثمَّ رفضه جمهور المسلمين طول التاريخ ، إذ لكلِّ كلمة موقعية خاصّة لا تناسبها كلمة أخرى ، حتّى ولو كانت مرادفة لها . فضلًا عن غير المرادفة . إذ موضع استعمال « العليم الحكيم » مثلًا يختلف عن موضع استعمال « الغفور الرحيم » . وهكذا جميع الكلمات المترادفة في لغة العرب ، لكلِّ واحدة منها موقعية خاصَّة ، إذا لاحظها المتكلّم كان كلامه بديعاً ، وبذلك يعرف الفصيح عن غير الفصيح ، وقد بلغ القرآن في هذه الناحية حدَّ الاعجاز ، فإنَّه فاق الفصحاء العرب في تعيين مواقع الكلمات المتناسبة بما أعجزهم وأخضعهم للاعتراف ببلاغته الخارقة . إذاً فكيف نجيز لآحاد المسلمين أن يستبدلوا من كلمات القرآن بما يترادف معها من سائر الكلمات ، وهل يعرف أحد - كحدِّ معرفته تعالى - بموقعية الكلمات بعضها من بعض البالغة حدَّ الإعجاز ؟ ! قال سيّدنا الأستاذ قدس سره : فهذا الاحتمال - أي احتمال جواز تبديل كلمات القرآن إلى مترادفاتها - يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبدية والحجَّة على جميع البشر ، ولا
--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 47 ، والمقصود آية 20 من سورة البقرة . ( 2 ) البلاغي في مقدّمة تفسير شبر : ص 20 نقلًا من كنز العمّال . ( 3 ) تفسير الطبري : ج 1 ص 18 ، والآية 6 من سورة المزّمّل . ( 4 ) الإتقان : ج 1 ص 47 .