الشيخ محمد هادي معرفة

248

تلخيص التمهيد

ولم يشكَّ أحد من المسلمين في تواتر القرآن ، في حين أنَّه لم يلتزم بتواتر القراءات سوى القليل . وتقدَّم كلام أئمَّة الفنّ في ذلك . قال الشيخ الزرقاني : الدليل الَّذي اعتمد أبو سعيد لا يسلم له . . . للفرق بين القرآن والقراءات السبع ، بحيث يصحّ أن يكون القرآن متواتراً في غير القراءات السبع أو في القدر الَّذي اتَّفق عليه القرّاء ، أو في القدر الَّذي اتَّفق عليه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب ، قرّاء كانوا أم غير قرّاء ، بينما تكون القراءات السبع غير متواترة « 1 » . قال سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي قدس سره : إنَّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات ، لأنَّ الاختلاف في كيفيّة تعبير الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها ، كما أنَّ الاختلاف في خصوصيّات حدث تاريخيّ - كالهجرة مثلًا - لا ينافي تواتر نفس الحدث ، على أنَّ الواصل إلينا بتوسّط القرّاء إنَّما هو خصوصيّات قراءاتهم ، وأمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين ، وبنقل الخلف عن السلف ، وتحفُّظهم عليه في الصدور وفي الكتابات ولا دخل للقرّاء - بخصوصهم - في ذلك أصلًا . ولذلك فإنَّ القرآن ثابت التواتر حتّى لو فرضنا أنَّ هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة لم يكونوا في عالم الوجود أصلًا . إنَّ عظمة القرآن ورفعة مقامه أعلى من أن تتوقَّف على نقل أولئك النفر المحصورين « 2 » . وفي كلام سيّدنا الأستاذ - أخيراً - الحجَّة القاطعة على أولئك الَّذين يرون تواتر القرآن من زاوية القراءات السبع فحسب ، فيقصرون النصَّ القرآني - الَّذي هو كتاب المسلمين قاطبة - في إطار هؤلاء النفر النزر اليسير ، فيالها من نظرة قاصرة وقصيرة المدى ! لا شكَّ أنَّ القرآن - وهو نصّ الوحي الإلهي الحكيم - متواتر بين المسلمين تواتراً قطعيّاً ، في جمع سوَره وآية وكلماته ، كلمة كلمة ، بحيث لو أبدلنا كلمة من القرآن أو أبدلنا من مكانها إلى آخر لاستنكرها المسلمون ، ووجدوها شيئاً غريباً عن أسلوب كلام اللَّه العزيز الحميد . ومن ثمَّ فإنَّ القراءات الَّتي كانت لا توافق نصَّ المصحف كانت مستنكرة لدى المسلمين ، العامَّة والعلماء ، وعدُّوها شاذَّة منبوذة ، وقد تقدَّم في الفصل السابق إنكار

--> ( 1 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 435 . ( 2 ) البيان : ص 173 .