الشيخ محمد هادي معرفة

238

تلخيص التمهيد

النقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله قطُّ . وشئ آخر : إنَّه يجب في التواتر استواء الطرفين والواسطة في عدد الرجالات الناقلين ، في حين أنَّ النقل المتواتر المتأخِّر عن القارئ ينتهي إليه وحده . وهو الَّذي ينقل لنا أنَّه سمعها متواتراً - فرضاً - عن النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الصحابة ، وهنا ينقطع التواتر ، لأنَّ الواسطة أصبح واحداً . ومن ثمَّ قال سيّدنا الأستاذ قدس سره : اتّصال أسانيد القراءات بالقرّاء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد ، حتّى لو كان رواتها في جميع الطبقات ممَّن يمتنع تواطؤهم على الكذب ، فإنَّ كلَّ قارئ إنَّما ينقل قراءته بنفسه « 1 » . إنكارات على القرّاء وأقوى دليل يرشدنا إلى عدم اعتراف الأئمّة السلف بتواتر القراءات تلك استنكاراتهم على قراءات كثير من القرّاء المشهورين ، وحتّى السبعة ، وكيف يجرأ مسلم محافظ أن ينكر قراءة يرى تواترها عن النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! هذا الإمام أحمد بن حنبل كان ينكر على حمزة كثيراً من قراءاته ، وكان يكره أن يصلّي خلف من يقرأ بقراءة حمزة . يا ترى ، إذا كانت قراءة حمزة - وهو من السبعة - متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله ، وأنَّ النبي صلى الله عليه وآله هوالَّذي قرأها ونقلت إلى حمزة متواترة قطعية ، فما الَّذي يدعو إلى كراهتها ؟ أفهل يكره مسلم قراءة قرأها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ ! وكان أبو بكر بن عيّاش يقول : قراءة حمزة عندنا بدعة . وقال ابن دريد : إنّي لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة . وكان ابن المهدي يقول : لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره وبطنه . وكان يزيد بن هارون يكره قراءة حمزة كراهة شديدة « 2 » . وهل يجرأ مسلم أن يخطِّئ أو ينكر قراءة هي متواترة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ ! فإن دلَّ ذلك فإنَّما يدلّ على أنَّ ما أنكروه شيء منسوب إلى نفس القرّاء ، إنكاراً عليهم ، لا إنكاراً لشيء ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قطعيّاً . تدلّنا على ذلك التعليلات الواردة في هذه المناسبات تبريراً

--> ( 1 ) البيان : ص 165 . ( 2 ) تهذيب التهذيب لابن حجر : ج 3 ص 27 - 28 .