الشيخ محمد هادي معرفة
215
تلخيص التمهيد
يحدِّثنا ابن أبي داود : أنَّهم بعدما أكملوا نسخ المصاحف رفعوا إلى عثمان مصحفاً فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم ، أرى فيه شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها . ثمَّ قال : أمّا لو كان المملى من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا « 1 » . ما ندري لم هذا التَّساهل بشأن كتاب اللَّه العزيز الحميد . ! ولعلَّ معترضاً يقول : هب أنَّ الخليفة عثمان تساهل بشأن الخلل الَّذي لمسه في مرسوم خطَّ المصحف ، فلماذا تساهل الخلفاء من بعده بهذا الشأن ، ولا سيَّما مثل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الَّذي كان أعلم الصحابة بالقرآن وأحرصهم على حفظه وجمعه ؟ قلنا : سبق منّا الإجابة على ذلك ، وأنَّه لم يكن من مصلحة الامَّة مساس القرآن - بعد ذلك - بيد إصلاح قط . وإلّا لاتَّخذها أهل الأهواء والبدع ذريعة إلى تحريف القرآن والتلاعب بنصِّه الكريم ، بحجَّة إصلاح خطائه ، فكان يقع القرآن الكريم عرضة الأطماع والسياسات المتبدّلة حسب تطوّر الزمان . وأوَّل من أحسَّ بهذا الخطر الرهيب هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فقام في وجه هذا الباب وأغلقه غلقاً مع الأبد . ذكروا أنَّ رجلًا قرأ بسمع الإمام عليه السلام : « وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ » « 2 » فجعل الإمام يترنَّم لدى نفسه : ما شأن الطلح ؟ إنَّما هو طلع ، كما جاء في قوله تعالى : « وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ » « 3 » ولم يكن ذلك من الإمام اعتراضاً على القارئ ، ولا دعوة إلى تغيير الكلمة ، بل كان مجرَّد حديث نفس ترنَّم عليه السلام به . لكنَّ اناساً سمعوا كلامه ، فهبّوا يسألونه : ألا تغيِّره ؟ فانبرى الإمام مستغرباً هذا الاقتراح الخطير ، وقال كلمته الخالدة : لا يهاج القرآن بعد اليوم ولا يحوَّل « 4 » . وأصبح موقف الإمام عليه السلام هذا مرسوماً إسلاميّاً مع الأبد ، لا يحقّ لمسلم أن يمدّ يد إصلاح
--> ( 1 ) المصاحف لابن أبي داود : ص 32 - 33 . ( 2 ) الواقعة : 29 . ( 3 ) ق : 10 . ( 4 ) تفسير الطبري : ج 27 ص 104 ، مجمع البيان : ج 9 ص 218 .