الشيخ محمد هادي معرفة
214
تلخيص التمهيد
أعاد على المسلمين اختلافهم في قراءة القرآن . كان عثمان قد بعث مع كلِّ مصحف من يُقرئ الناس على الثبت الموحَّد في تلك المصاحف - على حساب أنَّها موحَّدة - فبعث مع المصحف المكّي عبد اللَّه بن السائب ، ومع الشامي المغيرة بن شهاب ، ومع الكوفي أبا عبد الرحمان السلمي ، ومع البصري عامر بن قيس ، وهكذا « 1 » . وكان هؤلاء المبعوثون يُقرئون الناس في كلِّ قطر على حسب المصحف المرسل إليهم . ومن ثمَّ عاد محذور الاختلاف ، نظراً لوجود اختلاف في ثبت تلكم المصاحف مضافاً إلى عوامل أخرى ساعدت على هذا الاختلاف « 2 » . فكان أهل كلِّ قطر يلتزمون بما في مصحفهم من ثبت ، ومن هنا نشأ اختلاف قراءة الأمصار ، بدلًا من اختلاف القرّاء الَّذي كان قبل ذاك . كانت القراءة قبل هذا الحادث تنسب إلى جامعي المصاحف ، أمّا الآن فتنسب إلى المصر الَّذي بعث إليه المصحف العثماني - غير الموحَّد تماماً - فكانوا يقولون : قراءة مكَّة ، قراءة الشام ، قراءة المدينة ، قراءة الكوفة ، قراءة البصرة ، وهكذا . ومن ثمَّ فإنَّ الغاية الَّتي بذلت من أجلها جهود وثارت في سبيل تحقّقها ضجَّة جماعات كأصحاب عبد اللَّه بن مسعود وغيره لم تنجح تماماً ، وبقيت عوامل التفرقة والاختلاف تتفشّى مع طول الزمان . كلّ ذلك مغبَّة تساهل الخليفة في أمر توحيد المصاحف ، ولم يأخذ بساق الجدِّ في هكذا أمر خطير يمسُّ ركيزة حياة المسلمين في طول تاريخهم الخالد . وقد لمس الخليفة نفسه هذا الخلل في المصحف الَّذي رفع إليه لكنَّه لم يكترث به وأبدى تساهله بشأن الإصلاح ، الأمر الَّذي يؤخذ عليه شديداً . هذا فضلًا عن دلالة الأمر على عدم كفاءة الأشخاص الَّذين انتدبهم عثمان لهذا الأمل الجلل ، وعدم جدارتهم للقيام بهكذا عمل خطير . ومع ذلك فإنَّ الخليفة لم يعد النظر في أمر القرآن ، ولعلَّه كان تسرّعاً في الأمر بلا مبرِّر معقول .
--> ( 1 ) راجع تهذيب الأسماء للنووي : ق 1 ص 257 ، شرح مورد الظمآن للمارغني : ص 16 . ( 2 ) سوف نشرحها في فصل قادم .