الشيخ محمد هادي معرفة
193
تلخيص التمهيد
للمفعول . أمّا الرَّجل الأعجميُّ فكان يشتبه عليه قراءتها معلومة أو مجهولة . كما أنَّ أبا الأسود سمع قارئاً يقرأ : « أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » « 1 » - بكسر اللام - فقال : ما ظننت أنَّ أمر الناس آلَ إلى هذا ، فرجع إلى زياد بن أبيه - وكان والياً على الكوفة ( 50 - 53 ه ) وكان قد طلب إليه أن يصنع شيئاً يكون للناس إماماً ، ويعرف به كتاب اللَّه ، فاستعفاه أبو الأسود ، حتّى سمع بنفسه هذا اللحن في كلام اللَّه ، فعند ذلك عزم على إنجاز ما طلبه زياد « 2 » - فقال : أفعل ما أمر به الأمير فليبغ لي كاتباً مجيداً يفعل ما أقول . فأتوه بكاتب من عبد قيس فلم يرضه ، فأتوه بآخر وكان واعياً فاستحسنه . قال أبو الأسود للكاتب : إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه من أعلاه ، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف « 3 » . وفي لفظ ابن عياض زيادة قوله : فإذا أتبعت ذلك غنَّة فاجعل النقطة نقطتين ، ففعل « 4 » . وظلّ الناس بعد ذلك يستعملون هذه النقط علائم للحركات ، غير أنَّهم - في الأغلب - كانوا يكتبونها بلون غير لون خطِّ المصحف . والأكثر يكتبونها بلون أحمر . والظاهر أنَّ تبديل النقط السود إلى نقط ملوَّنة حدث بعد وضع الإعجام على يد نصر بن عاصم الآنف ، للفرق بين النقطة الَّتي هي علامة الحركة والَّتي هي علامة الإعجام . قال جرجي زيدان : وقد شاهدنا في دار الكتب المصرية مصحفاً كوفياً منقَّطاً على هذه الكيفية ، وجدوه في جامع عمرو بن العاص بجوار القاهرة ، وهو من أقدم مصاحف العالم ومكتوب على رقوق كبيرة بمداد أسود وفيه نقط حمراء اللون ، فالنقطة من فوق الحرف
--> ( 1 ) التوبة : 3 . ( 2 ) يقال : إنّ زياداً هو الذي دبَّر هذه الطريقة ليجبر بها أبا الأسود على قبول ما طلبه منه ، فأوعز إلى رجل من أتباعه أن يقعدفي طريق أبي الأسود ويتعمَّد اللحن في القراءة . ( الخطّ العربي الإسلامي لتركي عطية : ص 26 ، الخطّ الكوفي ليوسف أحمد : ص 23 ) . ( 3 ) الفهرست لابن النديم : ص 46 الفن الأوّل من المقالة الثانية . ( 4 ) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر : ص 52 .