الشيخ محمد هادي معرفة
173
تلخيص التمهيد
الجدّ ، لولا أن تهيَّبته القضية وهي فاجئة مباغتة ، لم يسبقه إليها غيره ممَّن تقدَّمه . مضافاً إلى ما كان يراه من صعوبة العمل في مرحلة تنفيذه ، حيث انتشار نُسخ المصاحف في البلاد ، ومن ورائها رجال من كبار الصحابة لا يستهان بشأنهم في المجتمع الإسلامي آنذاك ، فربَّما يقومون بحمايتها والدفاع عنها ، فيشكِّلون عرقلة عويصة تسدُّ وجه الطريق ! . ومن ثمَّ جمع أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله من كان حاضراً بالمدينة ، واستشارهم في الأمر ، فلم يكن منهم سوى اتِّفاقهم على ضرورة القيام به مهما كلّف الأمر . قال ابن الأثير : فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر ، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة « 1 » . لجنة توحيد المصاحف وأخيراً أزمع عثمان على تنفيذ الفكرة ، فوجَّه - أوّلًا - نداءه إلى عامَّة الصحابة : يا أصحاب محمَّد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً « 2 » . ثمَّ ندب نفراً يخصّونه ، وهم أربعة : زيد بن ثابت ( وهو أنصاري ) وسعيد بن العاص وعبداللَّه بن الزبير وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام ( وهم قرشيّون ) . وهؤلاء الأربعة أعضاء أوَّلية انعقدت بهم لجنة توحيد المصاحف « 3 » . وكانت لزيد سمة رئاسة على الآخرين كما يظهر من تذمّر ابن مسعود واستنكاره استئمار زيد لهذا المنصب . قال : يا معشر المسلمين أاعزل عن نسخ المصاحف ويتولّاها رجل ، واللَّه لقد أسلمت وإنَّه لفي صلب رجل كافر - يريد زيد بن ثابت - « 4 » ؟ ! وكان عثمان هو يتعاهدهم بنفسه « 5 » . لكن هؤلاء الأربعة لم يستطيعوا القيام بصميم الأمر ، وكانت تعوزهم الكفاءة لهكذا عمل خطير . ومن ثمَّ استعانوا بابيّ بن كعب ، ومالك بن أبي عامر ، وكثير بن أفلج ، وأنس بن مالك ،
--> ( 1 ) الكامل في التاريخ : ج 3 ص 55 . ( 2 ) الإتقان : ج 1 ص 59 عن مصاحف ابن أشتة . وراجع مصاحف ابن أبي داود : ص 21 . ( 3 ) صحيح البخاري : ج 6 ص 226 . ( 4 ) فتح الباري : ج 9 ص 17 ، المصاحف : ص 15 . ( 5 ) المصاحف : ص 25 .