الشيخ محمد هادي معرفة

148

تلخيص التمهيد

زيد بن ثابت ، وهو شابّ حدث فيه مرونة حداثة السنّ ، وله سابقة كتابة الوحي أيضاً . فقد ملك الجدارة الذاتية من غير أن يُخشى منه على جوانب الخلافة الفتيّة في شيء ، كما كان يُخشى من غيره من كبار الصحابة ، وفيهم شيء من المناعة والجموح وعدم الانقياد التامّ لميول السلطة واتّجاهاتها آنذاك . قال زيد : أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة - وعمر جالس عنده - قال : إنَّ هذا - وأشار إلى عمر - أتاني وقال : إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن ، وأخاف أن يستحرّ بهم القتل في سائر المواطن فيذهب كثير من القرآن ، وأشار عليَّ بجمع القرآن . فقلت لعمر : كيف نفعل ما لم يفعله رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ فقال : هو واللَّه خير . فلم يزل يراجعني عمر حتّى شرح اللَّه صدري لذلك ، ورأيت الَّذي رأى عمر ! قال زيد : قال لي أبو بكر : إنَّك شابٌّ عاقل لا نتَّهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله فتتبَّع القرآن واجمعه . قال زيد : فواللَّه لو كلَّفوني نقل جبل من مكانه لم يكن أثقل عليَّ ممّا كلَّفوني به . قلت : كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ فلم يزل أبو بكر وعمر يلحّان عليَّ حتّى شرح اللَّه صدري للَّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر . قال زيد : فقمت أتتبّع القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال « 1 » . منهج زيد في جمع القرآن قام زيد بتنفيذ الفكرة ، فجمع القرآن من العسب واللخاف والأدم والقراطيس ، وكانت متفرّقة على أيدي الصحابة أو في صدورهم ، وعاونه على ذلك جماعة . وأوَّل عمل قام به أن وجَّه نداء عاماً إلى ملأ الناس : من كان تلقّى من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله شيئاً من القرآن فليأت به . وألَّف لجنة من خمسة وعشرين عضواً - كما جاء في رواية اليعقوبي « 2 » - وكان عمر

--> ( 1 ) صحيح البخاري : ج 6 ص 225 . مصاحف السجستاني : ص 6 . والكامل في التاريخ : ج 3 ص 56 ، وج 2 ص 247 . والبرهان للزركشي : ج 1 ص 233 . ( 2 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 113 .