الشيخ محمد هادي معرفة

113

تلخيص التمهيد

هذه الآية تبدو - في ظاهرها - متعارضة مع آيات توجب التوجّه في الصلاة شطر المسجد الحرام « 1 » . ولكن مع ملاحظة سبب النزول ، وأنّه دفعٌ لشبهة اليهود ورفعٌ لارتيابهم في تحويل القبلة يتبيّن أن لا معارضة ، ويرتفع الإبهام عن وجه الآية . ذلك أنّ الاستقبال في الصلاة والعبادات أمرٌ اعتباريّ محض ، ينوط باعتبار صاحب الشريعة في مصالح يراها مقتضية حسب الأحوال والأوضاع ، وليس وجه اللَّه محصوراً في زاوية القدس الشريف أو الكعبة المكرّمة . وبذلك تنحلّ مشكلة الآية وترتفع إبهامها ، وأن ليس ترخيصاً في الاتّجاه بسائر الجهات . هذا ، وقد فهم الأئمة عليهم السلام أمراً آخر أيضاً ، استخرجوه من باطن الآية ، حيث تأويلها المستمرّ ، وأنّها تعني جواز التطوّع بالنوافل إلى حيث توجَّهت به راحلتك . . . أو اشتبهت القبلة ، فتصلّي إلى أيّ الجهات شئت . هكذا وجدنا صراحة الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام « 2 » . قال سيّدنا الطباطبائي قدس سره : إنّك إذا تصفّحت كلمات الأئمة عليهم السلام في عموم القرآن وخصوصه ومطلقه ومقيّده لوجدت كثيراً مّا استفادة حكم من عموم الآية ، ثمّ استفادة حكم آخر مع ملاحظة خصوصها . فقد يستفاد « الاستحباب » من الآية من وجه عمومها ، « الوجوب » من وجهها الخاصّ ، وهكذا « الحرمة » و « الكراهة » من الوجهين للآية بذاتها . قال : وعلى هذا المقياس تجد اصولًا هي مفاتيح لكثير من مغالق الآيات ، إنّما تجدها في كلماتهم عليهم السلام لاغيرهم . قال : ومن هنا يمكنك أن تستخرج من لباب كلامهم في المعارف القرآنية قاعدتين أساسيّتين : الأُولى : أنّ كلّ عبارة من عبارات الآية الواحدة فإنّها لوحدها تفيد معنى وتلقي ضوءً

--> ( 1 ) البقرة : 144 و 149 و 150 . ( 2 ) راجع وسائل الشيعة : باب 8 و 15 من أبواب القبلة ج 3 ص 225 - 239 ، وتفسير العيّاشي : ج 1 ص 56 - 57 .