الشيخ محمد هادي معرفة
102
تلخيص التمهيد
أمّا إذا راجعنا سبب النزول : « أنّ الحُمس « 1 » - وهي القبائل الستّ العربية - كانت إذا أحرمت امتنعت من الدخول إلى الخَباء أو البيوت إِلّا من ظهورها ، فينقبون في مؤخّرتها نقباً يدخلون ويخرجون منه . . » وبذلك يرتفع الإبهام بكلا جانبيه . * * * وقال تعالى : « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ . . . » « 2 » . كانت العرب تدين بحرمة الشهور الأربعة امتداداً لملّة إبراهيم عليه السلام . لكنّهم ربّما كان يشقّ عليهم المكث طول ثلاثة أشهر لا يغزون ، أو ربّما كانت الحرب على ساق فيهلّ أحد الأشهر الحرم ، وكان يصعب عليهم ترك القتال ، ولذلك كانوا ينسئون ذلك الشهر إلى وقت آخر ليستمرّوا في النهب والغزو وسفك الدماء . وهكذا كانوا ينسئون بمراسم الحجّ لتتوافق مع فصل الربيع كلّ عام ، وكان قد وافق الحجّ قبل حجّة الوداع ذو القعدة . فلمّا حجّ النبيّ صلى الله عليه وآله في القابل قال في خطبته : « ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السماوات والأَرض ، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ذو العقدة وذو القعدة والمحرم ، ورجب الذي بين جمادي وشعبان . . . » أراد صلى الله عليه وآله أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحجّ إلى ذي الحجة ، وبطل النسيء « 3 » . الطريق إلى معرفة أسباب النزول لمعرفة الصحيح من أسباب النزول طرق معهودة تعارف عليها أهل الاصطلاح ، من تصحيح الإسناد أو استفاضة النقل أو تواتره ، ممّا يقطع معه من صحّة الحادثة . لكن هناك وسيلة أُخرى لعلّها أدقّ وأوفق للاعتبار وأكثر اطّراداً مع ضوابط دراسة التاريخ وهي : أن
--> ( 1 ) الحُمس - بالضمّ فسكون - جمع أحمس وحمساء ، بمعنى المتصلّب في دينه ومذهبه ، اطلق على ستّ قبائِل معروفة : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبني عامر بن صعصعة . ( راجع مجمع البيان : ج 2 ص 284 ) . ( 2 ) التوبة : 37 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 5 ص 19 .