الشيخ محمد هادي معرفة
103
تلخيص التمهيد
يكون المأثور من شأن النزول ممّا يرفع الإبهام عن وجه الآية تماماً ويحلّ مشكلة تفسيرها على الوجه الأتمّ ، على قيد أن لا يكون مخالفاً لضرورة دين أو متنافراً مع بديهة العقل الرشيد . الأمر الذي يكفي بنفسه شاهد صدق على صحّة الحديث أيّاً كان الإسناد . وممّا يجدر التنبّه له في هذا الباب هو أنّ الطابع الغالب على أحاديث شأن النزول هو الضعف والجهالة والإرسال ، فضلًا عن الوضع والدسّ والتزوير . هكذا جاء في وصف الأئمة : قال الإمام بدر الدين الزركشي : يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع ، فإنّه كثير . قال الميموني : سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول : ثلاث ليس لها أُصول - أو لا أصل لها - : المغازي ، والملاحم ، والتفسير . أي لا أصل لها معتمداً عليه . قال المحقّقون من أصحابه : يعني أنّ الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متّصلة الإسناد ، وإلّا فقد صحّ من ذلك كثير « 1 » . قال جلال الدين السيوطي : الذي صحّ من ذلك قليل جدّاً ، بل أصل المرفوع منه ( أي المتّصل الإسناد ) في غاية القلّة . وقد ذكر السيوطي في نهاية الكتاب مالا يبلغ على الثلاثماثة حديث مرفوع ، ما بين ضعيف وسقيم ومعضل ، والباقي مرسل لا حجّية فيه إطلاقاً « 2 » . الأمر الذي يعود لومه على السلف تساهلهم بأمر ضبط الحوادث ، ومن ثمّ فإنّ رصيدنا اليوم بهذا الشأن ضئيل للغاية ، ولا يفي بحاجة التفسير في سوى القليل . هذا الواحدي عمد إلى جميع الشوارد من أسباب النزول ، فلم يمكنه التحرّز عن الضعاف والمجاهيل ومالا حجّية فيه . مثلًا نراه يروي كثيراً عن ابن عباس عن طريق الكلبي عن أبي صالح . قال جلال الدين السيوطي : وأوهى طرق التفسير طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . فإن انضمّ إلى ذلك رواية محمّد بن مروان السدّي الصغير ، فهي سلسلة الكذب ، وكثير ما يخرج منها الثعلبي والواحدي « 3 » .
--> ( 1 ) البرهان للزركشي : ج 2 ص 156 . ( 2 ) الإتقان : ج 4 ص 180 و 214 - 257 . ( 3 ) المصدر : ص 209 .