الشيخ محمد هادي معرفة

86

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أحدها : ما علمنا صحّته ممّا بأيدينا ممّا يشهد له بالصدق . والثاني : ما علمنا كذبه بما عندنا ممّا يخالفه . والثالث : ما هو مسكوت عنه ، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ولا نكذّبه ، وتجوز حكايته ، لما تقدّم « 1 » . وغالب ذلك ممّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر دينيّ ولهذا اختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا ، في مثل أسماء أهل الكهف وأسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم ، ممّا لا فائدة في تعيينه تعود على المكلّفين في دنياهم ودينهم . ولكن نقْل الخلاف عنهم في ذلك جائز « 2 » . ويستدلّ الذهبيّ لجواز مراجعة أهل الكتاب والنقل عنهم فيما لا يخالف الشريعة بآيات ، زعم دلالتها على إباحة الرجوع إليهم ، قال : وإذا نحن نظرنا في القرآن الكريم ، وجدنا من آياته البيّنات ما يدعو نبيّ الإسلام وجماعة المسلمين إلى أن يرجعوا إلى علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى ليسألوهم عن بعض الحقائق التي جاءت في كتبهم ، وجاء بها الإسلام فأنكروها ، أو أغفلوها ، ليقيم عليهم الحجّة ، ولعلّهم يهتدون . ومن هذه الآيات الدالّة على إباحة رجوع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبع دينه من المسلمين إلى أهل الكتاب قوله تعالى : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ » « 3 » ، وقوله : « فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » « 4 » ، وقوله : « وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا » « 5 » . قال : ومعناه : واسأل أُممهم وعلماء دينهم . قال الفرّاء مبيّنا وجه المجاز في الآية : هم إنّما يخبرونه عن كتب الرسل ، فإذا سألهم فكأنّه سأل الأنبياء عليهم السلام ، وقوله : « وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ

--> ( 1 ) - . من عدم تصديقهم ولا تكذيبهم فيما يحكونه . ذكر ذلك في ص 19 من رسالته . ( 2 ) - . مقدّمة في أصول التفسير ، ص 45 - 46 ، المطبعة السلفيّة ؛ راجع : تفسير ابن كثير ( المقدّمة ) ، ج 1 ، ص 4 . ( 3 ) - . يونس 94 : 10 . ( 4 ) - . الأنبياء 7 : 21 ؛ النحل ( 16 ) : 43 . ( 5 ) - . الزخرف 45 : 43 .