الشيخ محمد هادي معرفة

87

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

حاضِرَةَ الْبَحْرِ » ، وقوله : « فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ » ، وقوله : « سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ » « 1 » . قال : كلّ ما تقدّم من أمر اللّه لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال أهل الكتاب ، يدلّ على جواز الرجوع إليهم ، ولكن لا في كلّ شيء ، بل فيما لم تصل له يد التحريف والتبديل من الحقائق التي تصدّق القرآن وتلزم المعاندين منهم ومن غيرهم الحجّة « 2 » . قال : وعلى هذا فما جاء موافقا لما في شرعنا تجوز روايته ، وعليه تحمل الآيات الدالّة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب ، وعليه أيضا يُحمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » ؛ إذ المعنى : حدّثوا عنهم بما تعلمون صدقه . وأمّا ما جاء مخالفا لما في شرعنا أو كان لا يصدّقه العقل ، فلا تجوز روايته ؛ لأنّ حديث الإباحة لا يتناول ما كان كذبا . وأمّا ما سكت عنه شرعنا ، ولم يكن ما يشهد لصدقه ولا لكذبه وكان محتملًا ، فحكمه أن نتوقّف في قبوله فلا نصدّقه ولا نكذّبه ؛ وعلى هذا يُحمل قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم » . أمّا روايته فجائز على أنّها مجرّد حكاية لما عندهم ؛ لأنّها تدخل في عموم الإباحة المفهومة ، من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » « 3 » . وأضاف قائلًا : ما ثبت من أنّ بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عبّاس ، كانوا يراجعون بعضَ من أسلم من أهل الكتاب ، يسألونهم عمّا في كتبهم ، وما روي من أنّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدّث منهما ، لا يعارض ما رواه البخاريّ من إنكار ابن عبّاس على من يسأل أهل الكتاب . ولا ما رواه عبد الرزّاق في مسنده عن ابن مسعود من نهيه عن سؤال أهل الكتاب بقوله : « لا تسألوا أهل الكتاب ، فإنّهم لن يهدوكم وقد أضلّوا أنفسهم » . ولا ما رواه أحمد من إنكار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على عمر لمّا أتاه بكتاب أصابه من بعض

--> ( 1 ) - . الإسرائيليّات في التفسير والحديث ، الذهبيّ ، ص 60 - 61 ؛ الأعراف 163 : 7 ؛ الإسراء ( 17 ) : 101 ؛ البقرة ( 2 ) : 211 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 63 . ( 3 ) - . المصدر نفسه ، ص 64 - 65 .