الشيخ محمد هادي معرفة

85

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قلنا - عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك ، إلّا أنّهم بَعُدَ صيتهم وعظمت أقدارهم ، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملّة ، فتلقّيت بالقبول من يومئذ « 1 » . هل تجوز مراجعة أهل الكتاب ؟ وهل هناك ما يبرّر مراجعة أهل الكتاب ؟ زعم الكثير من الكتّاب المتأخّرين - تبريرا لمواقف لفيف من الصحابة الذين صمدوا على الرجوع إليهم ، ولا سيّما مسلمة أهل الكتاب - أنّ هناك دلائل على الجواز ، إمّا في زمن متأخّر عن المنع الذي كان في ابتداء الأمر ، أو في شؤون لا تمسّ أحكام الشريعة في مثل القصص والتواريخ ، أو فيما لم تمسّه يد التحريف وقد توافق مع ما جاء به القرآن الكريم ، أو نحو ذلك . هذا ابن تيميّة يذكر عن السدّيّ الكبير ( هو أبو محمّد إسماعيل بن عبد الرحمان الكوفيّ توفّي سنة 127 ه . ) أنّه كان في بعض الأحيان ينقل ما يُحكى من أقاويل أهل الكتاب ، التي أباحها - فيما زعم - رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : بلّغوا عنّي ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار « 2 » ، رواه البخاريّ عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص . ولهذا كان عبد اللّه بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين « 3 » من كتب أهل الكتاب ، فكان يحدّث منهما ، بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك « 4 » . قال : ولكن هذه الأحاديث الإسرائيليّةُ تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد ، فإنّها على ثلاثة أقسام :

--> ( 1 ) - . المقدّمة لابن خلدون ، ص 439 - 440 ، آخر الفصل الخامس فيما ذكره بشأن التفسير . ( 2 ) - . رواه البخاريّ في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من كتاب الأنبياء ، ج 4 ، ص 207 . ( 3 ) - . الزاملة : هي الملفّة ، وربّما كانت حمل بعير ، وقد فسّر أبو شهبة الزاملتين بحمل بعيرين الإسرائيليّات والموضوعات ، ص 92 و 54 . ( 4 ) - . سنأتي على تفسير هذا الحديث بغير ما فهمه هؤلاء .