الشيخ محمد هادي معرفة
80
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أظهرهم ، أهل دين وثقافة ومعرفة بشؤون الحياة ، ومن ثمّ كانوا يراجعونهم فيما تتوق إليه نفوسهم في معرفة شؤون الخليقة وتواريخ الأمم السالفة والأنبياء وما إلى ذلك . وهكذا بعد ظهور الإسلام كانوا يفضّلون مراجعة أهل الكتاب في معرفة شؤون الإسلام والدعوة . ولا سيّما وقد حدا بهم القرآن إلى مسائلة أهل الذكر والكتاب . قال تعالى مخاطبا لهم : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ » « 1 » . وهذا من باب « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » « 2 » . المخاطب ، وإن كان هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لكنّ المقصود غيره ممّن شكّ في رسالته ، فليراجعوا أهل الكتاب في معرفة سمات نبيّ الإسلام . وهذا كان في إبّان الدعوة ؛ حيث كان يُرجى الصدق من أهل الكتاب . وهكذا قوله تعالى : « وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » « 3 » . وقوله : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ » « 4 » . وقوله : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ . . . » « 5 » . إلى غيرها من آيات ، تخاطب المشركين ، فيما لو ارتابوا في صحّة ما جاء به القرآن ، أن يراجعوا أهل الكتاب . وقد حسب بعض المسلمين الأوائل ، أنّ ذلك تجويز لهم أيضا في مراجعة اليهود ، فيسألوهم عن بعض شؤون الشريعة ، ولا سيّما في أصول معارفها وشؤون الخليقة وتاريخ الأنبياء .
--> ( 1 ) - . يونس 94 : 10 . ( 2 ) - . يس 22 : 36 . ( 3 ) - . الأنبياء 7 : 21 . ( 4 ) - . النحل 43 : 16 . ( 5 ) - . الإسراء 101 : 17 .