الشيخ محمد هادي معرفة
50
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بنائها . وقد علا موج هذا الوضع السياسيّ وطغا ماؤه في عهد معاوية الذي أعان عليه وساعده بنفوذه وماله ، فلم يقف وُضّاع الحديث عند بيان فضله والإشادة بذكره ، بل أمعنوا في مناصرته ، والتعصّب له ، حتّى رفعوا مقام الشام الذي يحكمه إلى درجة لم تبلغها مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا البلد الحرام الذي ولد فيه . وأسرفوا في ذلك إسرافا كثيرا ، وأكثروا حتّى أُلّفت في ذلك مصنّفات « 1 » . وذكر ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافيّ : أنّ معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين ، على رواية أخبار قبيحة في عليّ عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جُعلًا يُرغَب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه . منهم : أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير . روى الزهريّ أنّ عروة بن الزبير حدّثه ، قال : حدّثتني عائشة ، قالت : كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل العبّاس وعليّ . فقال : يا عائشة ، إنّ هذين يموتان على غير ملّتي - أو قال - غير ديني . وفي حديث آخر عنه ، قال : حدثتني عائشة ، قالت : كنت عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل العبّاس وعليّ ، فقال : يا عائشة ، إن سرّك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار ، فانظري إلى هذين قد طلعا . وأما عمرو بن العاص فقد أخرج عنه البخاريّ ومسلم بإسناد متّصل إليه ، قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء . إنّما وليّي اللّه وصالح المؤمنين » . وأمّا أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه : أنّ عليّا عليه السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأسخطه ، فخطب ، وقال : لاها اللّه ، لا تجتمع ابنة وليّ اللّه وابنة عدوّ اللّه أبي جهل ، إنّ فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها . فإن كان عليٌّ يريد ابنة أبي جهل
--> ( 1 ) - . أضواء على السنّة المحمّديّة ، ص 126 - 127 .