الشيخ محمد هادي معرفة

51

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فليفارق ابنتي ، وليفعل ما يريد . وأيضا روى أبو جعفر عن الأعمش قال : لمّا قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة « 1 » ، جاء إلى مسجد الكوفة ، فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ، ثمّ ضرب صلعته مرارا ، وقال : يا أهل العراق ، أتزعمون أنّي أكذب على اللّه وعلى رسوله « 2 » وأحرق نفسي بالنار ! واللّه لقد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إنّ لكلّ نبيّ حرما ، وإنّ حرمي بالمدينة ما بين عَير إلى ثور . فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين » ، وأشهد أنّ عليّا أحدث فيها . فلمّا بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولّاه إمارة المدينة « 3 » . وأيضا روى عن شيخه أبي جعفر : أنّ معاوية بذل لسمُرة بن جندب - الرجل الوقح - مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » « 4 » وأنّ الآية الأخرى نزلت في ابن ملجم ، وهي قوله تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ » « 5 » فلم يقبل ، فبذل له مائتَي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاث مائة ألف فلم يقبل ، فبذل له أربع مائة ألف فقبل ، وروى ذلك « 6 » . نعم ، كان معاوية يرى لنفسه ما يضاهي به عليّا في مثل مقامه ومرتبته ، ومن ثَمّ كان

--> ( 1 ) - . هو العام الذي نزل فيه الإمام السبط الأكبر عن الحكم لمعاوية الطاغية ، حقنا لدماء المسلمين سنة 41 ه . . وسمّوه عام الجماعة . قال أبو ريّة : وهو في الحقيقة كان عام التفرقة ( أضواء على السنّة المحمّديّة - بالهامش - ص 216 ) . ( 2 ) - . قال أبو ريّة : يبدو من هذا القول أنّ كذب أبي هريرة على النبيّ كان قد اشتهر من أوّل يومه حتّى عمّ الآفاق . لأنّه قال ذلك وهو بالعراق ، وأنّ الناس جميعا كانوا يتحدّثون عن هذا الكذب في كلّ مكان . قلت : ولقد كان معروفا بالكذب قبل ذلك . روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 4 ، ص 67 - 68 : أنّ عمر ضربه بالدرّة ، وقال له : قد أكثرت من الرواية وأَحْرِ بك أن تكون كاذبا على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم . ( 3 ) - . راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 4 ، ص 63 - 68 . ( 4 ) - . البقرة 204 : 2 - 205 . ( 5 ) - . البقرة 207 : 2 . ( 6 ) - . شرح نهج البلاغة ، ج 4 ، ص 73 .