الشيخ محمد هادي معرفة

431

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

[ 37 / 1 ] سأل وابصة بن معبد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن البرّ والإثم ؟ فقال : « يا وابصة ! استفت قلبك ؛ البرّ : ما اطمأنّت إليه النفس واطمأنّ إليه القلب . والإثم : ما حاك في قلبك وتردّد في الصدر ، وإن أفتاك الناس » « 1 » . فذلك القلب له لغته كما أنّ للوضع لغته وللعقل لغته . فإذا كانت لغة الوضع تدرك بالألفاظ ويعبّر عنها بالكلمات ، فلغة القلب تدرك بالذوق والإشراق ، الأمر الذي لا يحيط بالتعبير عنه الألفاظ والعبارات ، بل بالرموز والإشارات . على أنّ تلك الإشارات المعبّرة عن الواردات القلبيّة لها واقع مشروع أقرّه الحديث المأثور : « لكلّ آية ظهر وبطن وحدّ ومطلع » « 2 » . إذن فأربابها متّبعون لا مبتدعون ، وقد اختصّهم اللّه بأسراره وأودعهم ملكوت أنواره ، ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى . قال سعدالدين التفتازانيّ : « وأمّا ما ذهب إليه بعض المحقّقين من أنّ النصوص مصروفة على ظواهرها ، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان » « 3 » . فالإشارة ترجمان لما يقع في القلوب من تجلّيات ومشاهدات ، وتلويح لما يفيض به اللّه على صفوته من خلقه من أسرار وغوامض في كلامه وكلام رسوله . قال الشيخ تاج الدين ابن عطاء اللّه الإسكندريّ « 4 » - في كتابه لطائف المنن - : اعلم أنّ تفسير هذه الطائفة لكلام اللّه وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ؛ ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ، ودلّت عليه في عرف اللسان . وثَمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح اللّه قلبه ، وقد جاء في الحديث : « لكلّ آية ظهر

--> ( 1 ) - . مسند أحمد ، ج 4 ، ص 228 . ( 2 ) - . راجع : الموافقات للشاطبيّ ، ج 3 ، ص 382 . ( 3 ) - . شرح العقائد النسفيّة للتفتازانيّ ، ص 120 ط كابل . ( 4 ) - . هو أحمد بن محمّد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه ، أحد العلماء الجامعين لعلوم الدين من التفسير والحديث والأصول والتصوّف . استوطن القاهرة للوعظ ، ثمّ رحل إلى الإسكندريّة ومات بها سنة 709 ، وكتابه لطائف المنن في مناقب شيخه أبي العبّاس المرسيّ . طبع بتونس سنة 1304 .