الشيخ محمد هادي معرفة

432

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وبطن » ، فلا يصدّنّك عن تلقّي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة : هذا إحالة لكلام اللّه وكلام رسوله ، فليس ذلك بإحالة ، وإنّما يكون إحالة لو قالوا : لا معنى للآية إلّا هذا ، وهم لم يقولوا ذلك ، بل يقرّون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ، ويفهمون عن اللّه ما أفهمهم « 1 » . * * * نعم ، هناك ما يبرّر موقف الصوفيّة من هذه التأويلات ، بأنّها من تفسير الباطن للقرآن وراء تفسيره الظاهريّ ، مع العلم أنّ للقرآن ظهرا وبطنا ، ولا يعني التفسير الباطنيّ نفي التفسير الظاهريّ ، بل هما معا ثابتان جميعا ، ومعه لا موضع للإنكار عليهم . قال الأستاذ حسن عبّاس زكيّ « 2 » بصدد الدفاع عن مواضع الصوفيّة في تأويل القرآن : فالمفسّرون من علماء الشريعة يقفون عند ظاهر اللفظ وما دلّ عليه الكلام من الأمر والنهي والقَصص والأخبار والتوحيد ، وغير ذلك ، وأهل التحقيق أو الصوفيّة يقرّون تفسيرهم هذا ، ويرونه الأصل الذي نزل فيه القرآن . ولكنّ لهم في كلام اللّه مع الأخذ بهذا التفسير الظاهريّ مذاقات لا يمكنهم إغفالها ؛ لأنّها بمثابة واردات أو هواتف من الحقّ لهم . فلا ينبغي أن نقف القرآن على تفسير معيّن على أنّه المراد ، فلا نقول كما يقول البعض : إنّ التفسير الظاهريّ وحده هو المقصود ، كما لا يرى أهل التحقيق أنّ تفسيرهم وحده هو المراد ؛ لأنّ القول بالتفسير الظاهريّ وحسب ، تحديد لكلام اللّه غير المحدود ، وإخضاع القرآن للّغة التي مقياسها العقل المحدود ، والوقوف في تفسير كلام اللّه عند العقل المحدود ، عقال عن الانطلاق فيما وراء الغيوب ، وإغلاق الباب لمذاقات ليس العقل مجالها ؛ لأنّها لا تخضع لمقاييسه وإنّما تخضع لشيء آخر فوقه ، وتدرك بلطيفة أخرى سواه ، إذن فهناك ما فوق العقل ألا وهو القلب ؛ فإنّ للقلب لغته كما أنّ للعقل لغته . وإذا كانت لغة العقل تدرك بالألفاظ ، ويعبّر عنها بالكلمات ، فلغة القلب تدرك بالذوق ؛ لأنّه

--> ( 1 ) - . نقلًا عن الإتقان ، ج 4 ، ص 197 . ( 2 ) - . وزير الاقتصاد والتجارة الخارجيّة بمصر ، له تعريف بتفسير القشيريّ أثبته في مقدّمة الكتاب .