الشيخ محمد هادي معرفة

428

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قبله - وهو المكتسب بطريق الاستدلال - يختصّ به العلماء . قال : وحقيقة القول في ذلك : أنّ القلب مستعدّ لأن تنجلي فيه حقيقة الحقّ في الأشياء كلّها ، وإنّما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة التي سبق ذكرها « 1 » فهي كالحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى اللّه به إلى يوم القيامة ، وتجلّي حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها ، والحجاب بين المرآتين تارة يزال باليد وأخرى بهبوب الرياح تحرّكه ، وكذلك قد تهبّ رياح الألطاف وتنكشف الحجب عن أعين القلوب ، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ ، ويكون ذلك تارة عند المنام ، فيعلم به ما يكون في المستقبل ، وتمام ارتفاع الحجاب بالموت ، فبه ينكشف الغطاء ، وينكشف أيضا في اليقظة حتّى يرتفع الحجاب بلطف خفيّ من اللّه تعالى ، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم ، تارة كالبرق الخاطف ، وأخرى على التوالي إلى حدّ ما ، ودوامه في غاية الندور . . فلم يفارق الإلهامُ الاكتسابَ في نفس العلم ولا في محلّه ولا في سببه ، ولكن يفارقه من جهة زوال الحجاب ، فإنّ ذلك ليس باختيار العبد . . ولم يفارق الوحيُ الإلهامَ في شيء من ذلك ، بل في مشاهدة المَلَك المفيد للعلم ؛ فإنّ العلم إنّما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » « 2 » فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ميل أهل التصوّف إلى العلوم الإلهاميّة دون التعليميّة ، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنّفه المصنّفون والبحث عن الأقاويل والأدلّة المذكورة ، بل قالوا : الطريق ، تقديم المجاهدة ، ومحو الصفات المذمومة ، وقطع العلائق كلّها ، والإقبال بكنه الهمّة على اللّه تعالى .

--> ( 1 ) - . ذكرها الغزّاليّ بتفصيل في إحياء العلوم ، ج 3 ، ص 12 - 13 . ( 2 ) - . شورى 51 : 42 .