الشيخ محمد هادي معرفة
429
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومهما حصل ذلك كان اللّه هو المتولّي لقلب عبده والمتكفّل له بتنويره بأنوار العلم ، وإذا تولّى اللّه أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سرّ الملكوت وانقشع عن وجه حجاب الغِرّة ، بلطف الرحمة ، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهيّة . فليس على العبد إلّا الاستعداد بالتصفية المجرِّدة وإحضار الهمّة مع الإرادة الصادقة والتعطّش التامّ والترصّد بدوام الانتظار لما يفتحه اللّه تعالى من الرحمة . فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر ، وفاض على صدورهم النور ، لا بالتعلّم والدراسة والكتابة للكتب ، بل بالزهد في الدنيا والتبرّي من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمّة على اللّه تعالى . فمن كان للّه كان اللّه له . . « 1 » وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « من أكلّ الحلال أربعين يوما نوّر اللّه قلبه » « 2 » وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « قالت الحكمة : من أرادني فليعمل بأحسن ما علم » « 3 » . وقال تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً » « 4 » . وقال : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » « 5 » . التأويل عند أرباب القلوب للتأويل عند أرباب القلوب الواعية حديث طريف يختلف عن تأويلات الباطنيّة غير المبتنية على أساس معقول . إنّ أهل التحقيق من أصحاب العرفان الصوفيّ يقرّون تفسير أهل الشريعة ، في الأخذ بظاهر القرآن ويرونه الأصل في تنزيله ، سوى أنّ لهم في كلام اللّه مذاقات عرفانيّة رقيقة لا يمكنهم إغفالها ، لأنّها بمثابة واردات أو هواتف هي سانحات ملكوتيّة قدسيّة ، تفاض على القلوب الواعية . هذا تفسير كشف الأسرار للمولى أبي الفضل رشيد الدين الميبديّ تفصيلًا وتبيينا
--> ( 1 ) - . إحياء العلوم ، ج 3 ، ص 15 - 18 . ( 2 ) - . بحار الأنوار ، ج 100 ، ص 16 ، رقم 71 ، بيروت . ( 3 ) - . الراغب ، مقدّمته في التفسير ، ص 93 - 97 . ( 4 ) - . الأنفال 29 : 8 . ( 5 ) - . البقرة 282 : 2 .