الشيخ محمد هادي معرفة
390
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال صاحب المنار في وجل من أصحابه في الخروج من مذهب أسلافه : وأمّا رؤية الربّ تعالى فربّما قيل بادئ الرأي : إنّ آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات ، كقوله تعالى : « لَنْ تَرانِي » ، وقوله تعالى : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » على الإثبات ، فإنّ استعمال النظر بمعنى الانتظار ، كثير في القرآن وكلام العرب ، كقوله : « ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً » « 1 » ، « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ » « 2 » ، « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ » « 3 » . وثبت أنّه استعمل بهذا المعنى متعدّيا ب - « إلى » ؛ ولذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر - وهو توجيه الباصرة ، إلى ما تراد رؤيته - أنّه أسند إلى الوجوه ، وليس فيها ما يصحّح إسناد النظر إليها إلّا العيون الباصرة ، وهو في الدقّة كما ترى ( أي ليس ذلك ظاهر الآية ظهورا عرفيّا ) « 4 » . ولصاحب المنار هنا في توجيه وتأويل كلام أهل السنّة كلام طويل ، لا يستغني الباحث عن مراجعتها . ولنا أيضا بحث مستوف بمسألة الرؤية عرضناه في بحث المتشابهات « 5 » . اعتماده على التأويل والتمثيل وهكذا نجد الزمخشريّ يعتمد في تفسيره على ضروب من التأويل والمجاز والتمثيل ، فيحمل ما ظاهره التنافي مع العقل أو الأصول المتلقّاة من الشرع ، على ضرب من التمثيل والاستعارة والمجاز ، الأمر الذي أثار نعرات خصومه أهل السنّة والجماعة ، ناقمين عليه تصريفه لظواهر آيات القرآن الحكيم . مثلًا نجده عند تفسير الآية ( 72 ) من سورة الأحزاب ، يقول : قوله : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ » وهو يريد بالأمانة الطاعة ، فعظّم أمرها وفخّم شأنها ، وفيه وجهان :
--> ( 1 ) - . يس 49 : 36 . ( 2 ) - . الأعراف 53 : 7 . ( 3 ) - . البقرة 210 : 2 . ( 4 ) - . المنار ، ج 9 ، ص 134 . ( 5 ) - . راجع : التمهيد ، ج 3 ، ص 77 - 96 .