الشيخ محمد هادي معرفة
391
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أحدهما : أنّ هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال ، قد انقادت لأمر اللّه عزّ وعلا ، انقياد مثلها ، وهو ما يتأتّى من الجمادات ، وأطاعت له الطاعة التي تصحّ منها وتليق بها ؛ حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسويةً على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة ، كما قال : « قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 1 » . وأمّا الإنسان فلم تكن حاله - فيما يصحّ منه من الطاعات ، ويليق به من الانقياد لأوامر اللّه ونواهيه ، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف - مثل حال تلك الجمادات فيما يصحّ منها ويليق بها من الانقياد ، وعدم الامتناع . والمراد بالأمانة ، الطاعة ؛ لأنّها لازمة الوجود ، كما أنّ الأمانة لازمة الأداء . وعرضها على الجمادات ، وإباؤها وإشفاقها : مجاز . وأمّا حمل الأمانة ، فمن قولك : فلان حامل للأمانة ومحتمل لها ، تريد أنّه لا يؤدّيها إلى صاحبها حتّى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها ؛ لأنّ الأمانة كأنّها راكبةٌ للمؤتمن عليها وهو حاملها . ألا تراهم يقولون : ركبته الديون . ولي عليه حقّ ، فإذا أدّاها لم تبق راكبة له ولا هو حامل لها . ونحوه قولهم : لا يملك مولى لمولى نصرا ، يريدون أنّه يبذل النصرة له ويسامحه بها ، ولا يمسكها كما يمسك الخاذل . ومنه قول القائل : أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُهُ * وتَرْفَضُّ عند المحفظات الكتائف « 2 » أي لا يمسك الرقّة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده ، بل يبذل ذلك ويسمح به . ومنه قولهم : أبغض حقّ أخيك ؛ لأنّه إذا أحبّه لم يُخرجه إلى أخيه ولم يؤدّه ، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه . فمعنى « فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ » « 3 » : فأبين إلّا أن يؤدّينها ، وأبى
--> ( 1 ) - . فصّلت 11 : 41 . ( 2 ) - . هو للقطاميّ ، وقيل : لذي الرمة . وحَسَّ له حسّا : رقّ له وعطف . والحسّ أيضا : العقل والتدبير والنظر في العواقب . والارفضاض : الترشرش والتناثر . وأحفظه إحفاظا : أغضبه . والكتائف جمع كتيفة ، وهي الضغينة والحقد . يقول : أخوك هو الذي لا تملك نفسه الرحمة ، بل يبذلها لك ويسرع إليك بغتة وتذهب ضغائنه . ( 3 ) - . الأحزاب 72 : 33 .