الشيخ محمد هادي معرفة
389
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وملخّص الكلام في نفي الرؤية : أنّ النظر بالعين عبارة عن إشعاع نوريّ يحيط بالجسم المرئيّ ، الأمر الذي يستدعي مقابلة ومواجهة ، وهو يلازم الجسميّة . والآية الكريمة تصف موقف المؤمنين في ذلك اليوم ، أنّهم على رغم أهواله الجسام مبتهجون مسرورون ، ليس لشيء إلّا لأنّهم منصرفون بكلّيّتهم عن غيره تعالى ، ومتوجّهون بكلّ وجودهم إلى اللّه . والنظر بهذا المعنى يتعدّى ب - « إلى » كما جاء في قول السرويّة ، وقول الشاعر : إنّي إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر * * * وكانت عائشة تنكر أشدّ الإنكار إمكان رؤيته تعالى بالأبصار . ففي حديث مسروق عنها المتفّق عليه قال : قلت لعائشة : يا أُمّتاه ، هل رأى محمّد ربّه ليلة المعراج ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري ممّا قلت ! أين أنت من ثلاث ، من حدّثكهنّ فقد كذب : من حدّثك أن محمّدا رأى ربّه فقد كذب ، وقد أعظم على اللّه الفرية ، ثمّ قرأت « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . . . » « 1 » ، ومن حدّثك أنّه يعلم ما في غدٍ فقد كذب ، ثمّ قرأت « وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً » « 2 » ، ومن حدّثك أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئا من الدين ، فقد كذب ثمّ قرأت « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . . . » « 3 » . هذا حديث متّفق عليه رواه الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح « 4 » . وهكذا كان مجاهد يقول في آية القيامة « إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » : تنتظر ثواب ربّها . في حديث رواه عبد بن حميد عنه ، قال الحافظ ابن حجر : سنده إلى مجاهد صحيح « 5 » . ومن ثمّ فإنّ النابهين من الامّة ، ولا سيّما في عصر متأخّر ، هبّوا ينكرون إمكان رؤيته تعالى على الإطلاق ؛ إذا كان المقصود من الرؤية الإحاطة بذاته المقدّسة بتحديق العين إليه ، فإنّه محال البتّة ، فإنّه ملازم للتقابل والجسميّة المحالين عليه سبحانه .
--> ( 1 ) - . الأنعام 103 : 6 . ( 2 ) - . لقمان 34 : 31 . ( 3 ) - . المائدة 67 : 5 . ( 4 ) - . المنار ، ج 9 ، ص 153 . ( 5 ) - . المصدر نفسه ، ص 134 .