الشيخ محمد هادي معرفة

388

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

« أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ » « 1 » ، أو نظر الانتظار ، كما في قوله تعالى : « ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً » « 2 » ، أو نظر الرؤية . أمّا الاوّل فلا يجوز ؛ لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار . وكذا الثاني ؛ لأنّ النظر إذا ذكر مع الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه ؛ ولأنّ نظر الانتظار لا يقرن ب - « إلى » ، كما في قوله تعالى : « فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ » « 3 » . قال : فإن قال قائل : لِمَ لا يجوز أن يراد « إلى ثواب ربّها ناظرة » ؟ قيل له : ثواب اللّه غيره ، وقد قال تعالى : « إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » ، ولم يقل : إلى غيره ناظرة ، والقرآن على ظاهره ، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلّا لحجّةٍ « 4 » . * * * أمّا أهل العدل والتنزيه فكانت نظرتهم في توحيد اللّه نظرة في غاية السموّ والرفعة ، فطبّقوا قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « 5 » أبدع تطبيق ، وفصّلوه خير تفصيل ، وحاربوا الأنظار الوضعيّة التي تثبت أنّ للّه تعالى جسما ، وأنّ له وجها ويَدَين وعينَين ، وله جهة فوقيّة ، وعرش يستوي عليه جالسا ، وأنّه يرى بالأبصار ، إلى آخر ما قالته الأشاعرة وأذنابهم من المشبّهة والمجسّمة . فأتى أهل العدل وسموا على هذه الأنظار ، وفهموا من روح القرآن : تجريد اللّه عن المادّيّة ، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا ، وأوّلوا ما يخالف هذا المبدأ ، وسلسلوا عقائدهم تسلسلًا منطقيّا . وقد فصّل الكلام - في نفي رؤيته تعالى - القاضي عبد الجبّار في كتابه شرح الأصول الخمسة « 6 » وأوفى البحث حقّه . وهكذا الخواجا نصير الدين الطوسيّ في مختصر العقائد التجريد « 7 » .

--> ( 1 ) - . الغاشية 17 : 88 . ( 2 ) - . يس 49 : 36 . ( 3 ) - . النمل 35 : 27 . ( 4 ) - . راجع : كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعريّ ، ص 10 - 19 . واللمع له أيضا ص 61 - 68 . ( 5 ) - . الشورى 11 : 42 . ( 6 ) - . شرح الأصول الخمسة لعبد الجبّار ، باب نفي الرؤية ، ص 232 - 277 . ( 7 ) - . شرح تجريد العقائد للعلّامة الحسن بن المطهّر الحلّيّ ، ص 163 - 165 ط بمبأي .