الشيخ محمد هادي معرفة

367

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ذكر دلائل أهل الاعتزال في ثلاث مقامات ، أوّلًا : عدم المانع من الإيمان والكفر ، وثانيا : أنّ العلم لا يوجب منعا في العمل ، الثالث : نقض تلكم الوجوه الخمسة . ذكرهنّ بإسهاب وتفصيل ، نقتطف منها ما يلي : قال : وأنا أذكر أقصى ما ذكره أصحاب الاعتزال بعونه تعالى وتوفيقه . وذكر وجوها خمسة ، في المقام الأوّل ؛ وخلاصتها : أنّ القرآن مملوء من الآيات الدالّة على أنّه لا مانع لأحد من الإيمان ، قال تعالى : « وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى » « 1 » ، و « ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا » « 2 » ، « فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » « 3 » . قال الصاحب ابن عبّاد : كيف يأمر العبد بالإيمان وقد منعه عنه ؟ ! وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ؟ ! وأيضا فإنّ اللّه تعالى قال : « رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » « 4 » ، وقال : « وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى » « 5 » . فلمّا بيّن تعالى أنّه ما أبقى لهم عذرا إلّا وقد أزاله عنهم ، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعا لهم عن الإيمان ، لكان ذلك من أعظم الأعذار ، كما أنّ الذمّ على الكفر والجحود ، هو خير دليل على اختياريّته ، وعدم وجود مانع قاهر عن الإيمان . وذكر في المقام الثاني وجوها عشرة على أنّ المعلوم لا ينقلب عمّا هو عليه بسبب العلم ؛ لأنّ العلم إنّما يتعلّق بالمعلوم على ما هو عليه ، فإن كان ممكنا عَلِمَهُ ممكنا ، وإن كان واجبا علمه واجبا ، ولا شكّ أنّ الإيمان والكفر كلّ واحد بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود ، فلو صار واجبا بسبب العلم ، كان العلم مؤثّرا في المعلوم ، وهو باطل بالضرورة . وأيضا فإنّ اللّه تعالى قال : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 6 » وقال : « ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي

--> ( 1 ) - . الإسراء 94 : 17 . ( 2 ) - . النساء 39 : 4 . ( 3 ) - . الانشقاق 20 : 84 . ( 4 ) - . النساء 165 : 4 . ( 5 ) - . طه 134 : 20 . ( 6 ) - . البقرة 286 : 2 .