الشيخ محمد هادي معرفة

368

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » « 1 » وقال : « وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ » « 2 » فكيف يكلّف اللّه العبيد ما لا يطيقون ؟ ! وفي المقام الثالث ، نقل عن القاضي عبد الجبّار جواب المعتزلة عن الأشاعرة ، وتخطئة انقلاب العلم جهلًا والصدق كذبا . قال الكعبيّ وأبو الحسين البصريّ : إنّ العلم تبع المعلوم ، فإذا فَرَضتَ الواقع من العبد الإيمان عَرَفت أنّ الحاصل في الأزل للّه تعالى هو العلم بالإيمان ، ومتى فَرضتَ الواقع منه هو الكفر بدلًا عن الإيمان عرفت أنّ الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلًا عن الإيمان . فهذا فرض علم بدلًا عن علم آخر ، لا أنّه تغيّر العلم . قال الإمام الرازيّ : فهذا الجواب هو الذي اعتمده جمهور المعتزلة . قلت : وقد عرفت قوّة استدلالهم ، وضعف دلائل خصومهم ، غير أنّ الإمام الرازيّ ترك وهن تلك الوجوه وقوّة هذه الدلائل بمعرض القارئ ومسمعه ، ليحكم هو حسب ذهنيّته الفطريّة الحاكمة بأنّ العبد مختار في فعله . واللّه تعالى لا يكلّف بما لا يُستطاع ، الأمر الذي يجعل من دلائل أهل الاعتزال هي الكفّة الراجحة ، وهذا شيء فعله الإمام الرازيّ ، عن حسن نيّة وعن عمد فعله - حسب الظاهر - إذ الظاهر أنّه ليُسيء الظنّ بمذاهب أصحابه الأشعريّين . وممّا يدلّك على ذلك ، أنّه لم يطعن في دلائل أهل الاعتزال ، وذكرها تامّة وافية ، كما هي عادته في كلّ أمر يعتقده صحيحا . * * * ثمّ إنّه بعد إيراد دلائل الطرفين ، أورد شبهاته في المسألة وذكر مقالاتٍ تشكيكيّة ، وأسندها إلى أهل التشكيك ، ممّن فرضهم أهل العناد في مسائل الكلام . قال : واعلم أنّ هذا البحث صار منشأً لضلالات عظيمة ، فمنها : أنّ منكري التكاليف والنبوّات قالوا : قد سمعنا كلام أهل الجبر - يعني بهم الأشاعرة - فوجدناه قويّا قاطعا .

--> ( 1 ) - . الحجّ 78 : 22 . ( 2 ) - . الأعراف 157 : 7 .