الشيخ محمد هادي معرفة

36

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

دليل تعبّديّ ( بأن تَعَبّدنا الشارع به ) وإنّما هي سيرة عقلائيّة مشى عليها عرفهم العامّ وجرى معهم الشارع الحكيم في مرافقة رشيدة ! فلا تعبّد هناك - إطلاقا - كي يلتمس ترتّب أثر عمليّ عليه أو يكون الشارع استهدفه تكليفيّا ! وإنّما هي مسايرة مع أعراف العقلاء في مناهجهم لتنظيم الحياة العامّة ، وكان إخبار الثقة الضابط هو أحد أسباب العلم عندهم ، فأمضاه الشارع وواكبهم في هذا المنهج الحكيم . وما ورد من آيات وروايات بشأن اعتبار خبر الثقة الأمين ، إنّما هي شواهد على هذا الإمضاء والمرافقة ، وفي الحقيقة إنّه إرشاد إلى ذلك الاعتبار العامّ ، وليس مجرّد تكليف بالتعبّد محضا . . إذن فلا تعبّد - بشأن اعتبار خبر الثقة - إطلاقا ، وإنّما هي مسايرة مع العرف العامّ ، في الاعتماد على خبر الثقة باعتباره مفيدا للعلم حسب المتعارف وليس مجرّد الظنّ غير الموجب للاطمينان . . . ومن ثمّ يرتّبون عليه آثار العلم الوجدانيّ ، اللّهمّ إلّا إذا كانت هناك بعض دلائل الاتّهام « 1 » ، وهكذا اعتبر الشارع مخبر الثقة باعتباره مشيا عقلائيّا وطريقا اطمئنانيّا ينبغي الركون إليه في الشرعيّات إطلاقا ، كما اعتمدته العقلاء في سائر شؤونهم في الحياة من غير فرق ، فلا تعبّد هناك وإنّما هو ركون إلى عماد وثيق .

--> ( 1 ) - . وهكذا استثنى الشارع إخبار الفاسق : « إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا » الحجرات ( 6 : 49 ) .