الشيخ محمد هادي معرفة

300

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

هذا ، ومع ذلك نرى من أصحابه ومقلّديه مبالغة ظاهرة ، في تشييد مذهبه إلى حدّ التحميل القاسي . . « 1 » وأحمد ، لم ينل مذهبه شهرة كغيره من المذاهب ، وكانت خُطَى انتشاره قصيرة جدّا . . أمّا في بغداد فلم تكن له شهرة إلّا بين طبقة عرفوا بالعُنف والشدّة في سيرتهم ، وتحاملهم على غيرهم من المذاهب « 2 » . وكان سبب عدم انتشار مذهبه - هو ابتعاده عن معالم الاجتهاد - حسبما ذكره ابن خلدون ، قال : أمّا أحمد فمقلّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد ، وأصالته في معاضدة الرواية وللأخبار بعضها ببعض . . « 3 » . وكانت الغلبة في بغداد للمذهب الشيعيّ « 4 » ، وقد قامت الحنابلة بدور صراع عنيف مع الشيعة ولكن لم يستطيعوا التغلّب عليه . . وفي سنة 323 ه . عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون دور القُوّاد والعامّة للتفتيش ، وقاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حملة شعواء ومن غير هوادة ، فأرهجوا بغداد ، وأقلقوا بال الحكومة ، ومن فعلتهم الدنيئة أن استظهروا بالعميان الذين يأوون إلى المساجد ، فإذا مرّ بهم شافعيّ المذهب أغروا به العميان . فيضربونه بعصيّهم حتّى يكاد يموت . فخرج توقيع الخليفة الراضي باللّه ، بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم شنعتهم ويوبّخهم على تحميل معتقداتهم في التشبيه وغيره . جاء فيه : « تارة إنّكم تزعمون صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين ، وهيأتكم الرذيلة على هيأته ، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلين والنعلين المُذَهَّبين والشعر القطط ، والصعود إلى السماء ، والنزول إلى الدنيا - تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا - ثمّ طعنكم على خيار الامّة ونسبتكم شيعة آل محمّد عليهم السلام إلى الكفر والضلال ، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى

--> ( 1 ) - . الأمر الذي نقاسيه حتّى اليوم في أتباع السَلَفيّة الجافية ، وفي غلظة تأباها روح الشريعة السهلة السمحة . . ( 2 ) - . وقد عرفت ما أفجعوا بابن جرير الطبريّ ، ذلك العالم الكبير صاحب التفسير ، أوجعوه ضربا وشتما وتشريدا ، حسبما ذكرناه في ترجمته . . ( 3 ) - . مقدّمة ابن خلدون ، ص 448 . ( 4 ) - . راجع : أحسن التقاسيم لشمس الدين الشاري الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، ج 4 ، ص 509 .