الشيخ محمد هادي معرفة

299

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يقول : « كلّ آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤوَّل أو منسوخ » « 1 » . كما لم يجيزوا لأحد من أتباع المذاهب الأربعة أن يجتهد حرّا إلّا في إطار المذهب وعلى أصول ومباني صاحب المذهب لا غير . . في حين أنّ الالتزام بمذهب قديم كان بدعة ابتدعتها السياسة منذ القرن الرابع ، على غير أساس دينيّ ولا مبرّر له . . « 2 » نعم ، كان لهؤلاء المتعصّبين أثر ظاهر في التفسير الفقهيّ ، حيث ينظرون إلى الآيات من خلال مذهبهم ويفسّرونها حسب مبانيهم التي هم مهّدوها من قبل . . فيعدمون البحث الحرّ عن فهم القرآن . . فكانت مغبّة ذلك أن عُدمنا إنتاج التفسير الفقهيّ بعيدا عن التعسّف في التأويل . . الأمر الذي يبدو بوضوح عندما نتعرّض للكتب المدوّنة في آيات الأحكام ، وكانت على يد أصحاب المذاهب التقليديّة . . ومن ثمّ كانت متنوّعة حسب اختلاف المذاهب . . 4 . أُوار التعصّب في عهد متأخّر نعم ، كان أئمّة المذاهب وكبار الفقهاء قد أخضعهم الحقّ حيثما توجّهوا . . وعرفت منهم التحاشي عن الإفتاء مهما أُفسح لهم المجال . إلّا في مواقع ضرورة . . وقد رافقهم الورع والتقوى والحذر من الفتوى مهما أمكن . . ولا سيّما الإمام أحمد بن حنبل ، كان يتورّع عن الإفتاء ويحذّر عن التقليد ويحبّذ الرجوع إلى نصوص الشريعة ، وهي ناصعة ، لائحة ، بيضاء . . من غير حاجة إلى معين غير قيادة العلم النزيه « 3 » . .

--> ( 1 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 2 ، ص 434 . ( 2 ) - . راجع : الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، ج 3 ، ص 141 فما بعد . ( 3 ) - . كان يقول : كثرة التقليد عمىً في البصيرة . وكان ينهى عن الكتابة عنه ويقول : لا تكتبوا عنّي ولا تقلّدوني ولا تقلّدوا فلانا وفلانا ، وخُذوا من حيث أَخذوا . وقال : من قلّة فقه الرجل أن يقلّد دينه الرجال . . ومن ثمّ قال صاحب المنار : كان هذا الإمام متأخّرا عن الأئمّة الثلاثة . وكان قد رأى بوادر التزام التقليد ، وعلم أنّ مالكا ندم قبل موته . . ولذلك لم يدوّن أحمد مذهبا ، وأنّ أصحابه هم جمعوا من أقواله وأجوبته ما صار مذهبا له . . ( جلاء العينين للآلوسيّ ، ص 105 ؛ أعلام الموقّعين لابن القيّم الجوزيّة ، ج 2 ، ص 181 - 182 ؛ مختصر المؤمّل لأبي شامة ، ص 31 ؛ الوحدة الإسلاميّة ، ص 117 ؛ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، ج 3 ، ص 150 - 151 ) .