الشيخ محمد هادي معرفة

293

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أمّا وبعد ما ظهرت المذاهب الفقهيّة وجدّت مسائل كثيرة للمسلمين لم تكن معهودة من ذي قبلُ ، فقد أخذ كلّ فقيه - باعتباره إمام مذهب - ينظر في هذه المسائل تحت ضوء القرآن والسنّة وغيرهما من مصادر التشريع عندهم ، وهم مختلفون في المباني ، فكان يحكم فيها كلّ ، حسب ما ينقدح في ذهنه ، ويبدو له وفق مبناه ، ويراه حقّا لا غبار عليه عنده ، ومن ثمّ كان الاختلاف حتميّا أحيانا حسب اختلاف المباني . . وكان في بادئ ذي بدء يسطو على الجميع روح التفاهم ، حيث التآخي ونشدان الحقيقة هو رائدهم . . فكم من مسائل الخلاف توافقوا عليه بعد الحوار والمناشدة الحرّة ، ولم يكن عزيزا على أحدهم أن يرجع إلى رأي مخالفه إن ظهر له الحقّ في جانبه . هذا هو الإمام الشافعيّ كان يقول : إذا صحّ عندكم الحديث عن رسول اللّه فهو رأيي « 1 » . وذكر ابن النديم : أنّ رجلًا سأله عن مسألة فأجاب فيها ، فقال له الرجل : خالفتَ عليّ بن أبي طالب عليه السلام ! فقال الشافعيّ : ثبّت لي هذا عن عليّ بن أبي طالب ، حتّى أضع خدّي على التراب وأقول : قد أخطأتُ وأرجع عن قولي إلى قوله « 2 » . وكان يقول لأحمد بن حنبل - وهو تلميذه في الفقه - : « أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منّا ، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتّى أذهب إليه » . « 3 » وقال الربيع : سمعت الشافعيّ يقول : ما من أحد إلّا وتذهب عليه سنّة لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وتعزب عنه . فمهما قلت من قول ، وأصّلت من أصل ، فيه عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ما

--> ( 1 ) - . قال أبو الفداء : وقد قال غير واحد عنه : إذا صحّ عندكم الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقولوا به ودعوا قولي ، فإنّي أقول به ، وإن لم تسمعوا منّي . . وفي رواية : فلا تقلّدوني . وفي أخرى : فلا تلتفتوا إلى قولي . وفي رواية : فاضربوا بقولي عرض الحائط ، فلا قول لي مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم البداية والنهاية ، ج 10 ، ص 253 - 254 ( في حوادث سنة 204 ) . وقال ابن حجر : قد اشتهر عنه : « إذا صحّ الحديث فهو مذهبي » . قال ابن القيّم : هذا صريح في أنّ مذهبه ما دلّ عليه الحديث لا قول له غيره ، ولا يجوز أن ينسب إليه ما خالف الحديث الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر ، ج 3 ، ص 150 . وتاريخ التشريع الإسلاميّ للخضريّ : ص 353 - 354 . والذهبيّ ، ج 2 ، ص 434 . ( 2 ) - . الفهرست لابن النديم ، ص 309 . ( 3 ) - . طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي ، ج 1 ، ص 282 ؛ آداب الشافعيّ لابن أبي حاتم ، ص 95 .