الشيخ محمد هادي معرفة

24

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بعضه على بعض « 1 » - كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - حيث ما جاء منه مبهما في موضع منه ، قد جاء مفصّلًا ومبيّنا في موضع آخر ، بل وفي القرآن تبيان لكلّ شيء جاء مبهما في الشريعة ، فلأن يكون تبيانا لنفسه أَولى . ومن ذلك جاء قولهم : « القرآن يفسّر بعضه بعضا » كلام معروف . وتفسير القرآن بالقرآن على نمطين : منه ما أُبهم في موضع وبُيّن في موضع آخر - فكان أحدهما متناسبا مع الآخر تناسبا معنويّا أو لفظيّا - كما في قوله تعالى : « حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ » « 2 » وقد جاء تبيين هذه الليلة المباركة بليلة القدر في سورة القدر : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » « 3 » وقد بيّن في سورة البقرة أنّها واقعة في شهر رمضان : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » « 4 » . فقد تبيّن من مجموع ذلك : أنّ القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان . ومن ذلك أيضا قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » « 5 » ما هذه الحيلولة وكيف هي ، وهو تهديد لاذع بأولئك الزائفين المتمرّدين عن الشريعة والدين . وهذا الإبهام يرتفع عند مراجعة قوله تعالى : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » « 6 » . فعرفنا أنّها نسيان الذات ، فالذي يجعل من شريعة اللّه وراء ظهره ، إنّما حرّم نفسه ونسي حظّه ، فقد تاه في غياهب ضلالة الجهل والعَمى . وهكذا قوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ » « 7 » ما هو المقصود من « الأرض » هنا في هذه الآية ، وكيف يقع

--> ( 1 ) - . نهج البلاغة ، خ 133 ، ص 192 صبحي صالح . ( 2 ) - . الدخان 1 : 44 - 3 . ( 3 ) - . القدر 1 : 97 . ( 4 ) - . البقرة 185 : 2 . ( 5 ) - . الأنفال 24 : 8 . ( 6 ) - . الحشر 19 : 59 . ( 7 ) - . الرعد 41 : 13 .