الشيخ محمد هادي معرفة

25

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

نقصانها ؟ أمّا الأرض فالمقصود منها هو العُمران منها ، وليس المراد هي الكرة الأرضيّة . ويشهد لذلك قوله تعالى بشأن المحاربين المفسدين في الأرض : « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 1 » . فإنّ النفي من الأرض ، يراد به الإبعاد عن العُمران ليظلّ حيرانا بين البراري والقفار . أمّا كيف يقع النقصان ؟ فقد فسّره الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام وكذا ولده الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام : بفقد العلماء ، وأنّ عمارة الأرض سوف تزول وتندثر عند ذهاب علمائها وخيار أهلها ، وهكذا ورد تفسير الآية بذلك عن ابن عبّاس « 2 » . * * * ومن هذا النمط أيضا قوله تعالى : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » « 3 » . ما هذه الأمانة التي كان الإنسان صالحا لحملها ، دون سائر المخلوق ؟ فجاءت آية أخرى تفسّرها بالخلافة : « وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » « 4 » . ثمّ ما هذه الخلافة التي منحت للإنسان ، وحُظي بها هذا المخلوق دون سائر الخلق ؟ كانت آية ثالثة تفسّر الخلافة بقدرة الإبداع وإمكان التصرّف في ساحة الوجود : « أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » « 5 » « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » « 6 » فقدرة الإنسان التسخيريّة وإمكان تصرّفه في عالم الوجود ، علوّه وسُفله ،

--> ( 1 ) - . المائدة 33 : 5 . ( 2 ) - . راجع : البرهان في تفسير القرآن للبحرانيّ ، ج 2 ، ص 301 - 302 . ( 3 ) - . الأحزاب 72 : 33 . ( 4 ) - . البقرة 30 : 2 . ( 5 ) - . لقمان 20 : 31 . ( 6 ) - . الجاثية 13 : 45 .