الشيخ محمد هادي معرفة
189
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عليه من السور ، ولم يدخلا من المدخل المعتاد ، فارتاع منهما ، وفزع فزعا لا يليق بمثله من المؤمنين ، فضلًا عن الأنبياء المتوكّلين على اللّه غاية التوكّل ، الواثقين بحفظه ، ورعايته ، وظنّ بهما سوءا ، وأنّهما جاءا ليقتلاه ، أو يبغيا به شرّا ، ولكن تبيّن له أنّ الأمر على خلاف ما ظنّ ، وأنّهما خصمان جاءا يحتكمان إليه . فلمّا قضى بينهما ، وتبيّن له أنّهما بريئان ممّا ظنّه بهما ، استغفر ربّه ، وخرّ ساجدا للّه تعالى تحقيقا لصدق توبته والإخلاص له ، وأناب إلى اللّه غاية الإنابة . ومثل الأنبياء في علوّ شأنهم ، وقوّة ثقتهم باللّه والتوكّل عليه أن لا تُعلّق نفوسهم بمثل هذه الظنون بالأبرياء ، ومثل هذا الظنّ وإن لم يكن ذنبا في العادة ، إلّا أنّه بالنسبة للأنبياء يعتبر خلاف الأَولى والأليق بهم ، وقديما قيل : « حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين » ، فالرجلان خصمان حقيقة ، وليسا ملكين كما زعموا ، والنعاج على حقيقتها ، وليس ثمّة رموز ولا إشارات . وهذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن ويتّفق وعصمة الأنبياء ، فالواجب الأخذ به ، ونبذ الخرافات والأباطيل ، التي هي من صنع بني إسرائيل ، وتلقّفها القُصّاص وأمثالهم ممّن لا علم عندهم ، ولا تمييز بين الغثّ والسمين . * * * 23 . الإسرائيليّات في قصّة أيوب عليه السلام ومن القصص التي تزيّد فيها المتزيّدون ، واستغلّها القصّاصون ، وأطلقوا فيها لخيالهم العنان : قصّة سيّدنا أيّوب عليه السلام ، فقد رووا فيها ما عصم اللّه أنبياءه عنه . وصوّروه بصورة لا يرضاها اللّه لرسول من رسله . فقد ذكر بعض المفسّرين عند تفسير قوله تعالى : « وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا