الشيخ محمد هادي معرفة

185

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

منه ليأخذه ، فطار ، فأشرف عليه لينظر أين وقع ، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض ، فلمّا رأت ظلّه نفضت شعرها ، فغطّت جسدها به ، وكان زوجها غازيا في سبيل اللّه ، فكتب داود إلى رأس الغزاة : أن اجعله في حملة التابوت « 1 » ، وكان حملة التابوت إمّا أن يُفتح عليهم ، وإمّا أن يُقتلوا ، فقدّمه في حملة التابوت ، فقُتل . وفي بعض هذه الروايات الباطلة : أنّه فعل ذلك ثلاث مرّات ، حتّى قُتل في الثالثة ، فلمّا انقضت عدّتها ، خطبها داود عليه السلام ، فتسوّر عليه الملكان ، وكان ما كان ، ممّا حكاه اللّه تعالى . ولم يقف الأمر عند هذه الروايات الموقوفة عن بعض الصحابة والتابعين ، ومسلمة أهل الكتاب ، بل جاء بعضها مرفوعا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . قال صاحب الدرّ : وأخرج الحكيم الترمذيّ في نوادر الأصول ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم بسند ضعيف ، عن أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إنّ داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة ، قطع « 2 » على بني إسرائيل ، وأوصى صاحب الجيش ، فقال : إذا حضر العدوّ فقرّب فلانا بين يدي التابوت » ، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت ، لم يرجع حتّى يقتل أو ينهزم معه الجيش ، فقتل ، وتزوّج المرأة ، ونزل الملكان على داود عليه السلام فسجد ، فمكث أربعين ليلة ساجدا ، حتّى نبت الزرع من دموعه على رأسه ، فأكلت الأرض جبينه ، وهو يقول في سجوده : « ربِّ زلّ داود زلّة أبعد ممّا بين المشرق والمغرب ، ربّ إن لم ترحم ضعف داود ، وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده . فجاء جبريل عليه السلام من بعد أربعين ليلة ، فقال : يا داود إنّ اللّه قد غفر لك ، وقد عرفت أنّ اللّه عدل لا يميل ، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة ، فقال : يا ربّ دمي الذي عند داود ، قال جبريل : ما سألت ربّك عن ذلك ، فإن شئت لأفعلنّ ، فقال : نعم ، ففرح جبريل ، وسجد داود عليه السلام ، فمكث ما شاء اللّه ، ثمّ نزل ، فقال : قد سألت اللّه يا داود عن الذي أرسلتني فيه ، فقال : قل لداود : إنّ اللّه يجمعكما يوم القيامة ، فيقول له : هب لي دمك الذي

--> ( 1 ) - . صندوق فيه بعض مخلفات أنبياء بني إسرائيل ، فكانوا يقدّمونه بين يدي الجيش كي ينصروا . ( 2 ) - . هي هكذا في الدرّ المنثور ، وفي تفسير البغويّ ، ج 4 ، ص 62 : فاهتمّ فقطع . وفي بعض النسخ : فهمّ أن يجمع .