الشيخ محمد هادي معرفة

186

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

عند داود ، فيقول : هو لك يا ربّ ، فيقول : فإنّ لك في الجنّة ما شئت ، وما اشتهيت عوضا . وقد رواها البغويّ أيضا عن طريق الثعلبيّ « 1 » ، والرواية منكرة مختلقة على الرسول . وفي سند هذه الرواية المختلقة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ابن لهيعة ، وهو مضعف في الحديث ، وفي سندها أيضا يزيد بن أبان الرقاشيّ ، كان ضعيفا في الحديث . وقال فيه النسائيّ ، والحاكم أبو أحمد : إنّه متروك ، وقال فيه ابن حبّان : كان من خيار عباد اللّه ، من البكّائين بالليل ، غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة ، حتّى كان يقلب كلام الحسن يجعله عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا تحلّ الرواية عنه إلّا على جهة التعجّب « 2 » . وقال العلّامة ابن كثير في تفسيره : « وقد ذكر المفسّرون هاهنا قصّة ؛ أكثرها مأخوذ من الإسرائيليّات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتّباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصحّ سنده ؛ لأنّه من رواية يزيد الرقاشيّ ، عن أنس رضي الله عنه ، ويزيد وإن كان من الصالحين ، لكنّه ضعيف الحديث عند الأئمّة » « 3 » . ومن ثمّ يتبيّن لنا كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا نكاد نصدّق ورود هذا عن المعصوم ، وإنّما هي اختلاقات ، وأكاذيب من إسرائيليّات أهل الكتاب ، وهل يشكّ مؤمن عاقل يقرّ بعصمة الأنبياء ، في استحالة صدور هذا عن داود عليه السلام ، ثمّ يكون على لسان مَن ؟ على لسان مَن كان حريصا على تنزيه إخوانه الأنبياء عمّا لا يليق بعصمتهم ، وهو نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ومثل هذا التدبير السيّئ ، والاسترسال فيه على ما رووا ، لو صدر من رجل من سوقة الناس وعامّتهم ، لاعتبر هذا أمرا مستهجنا مستقبحا ، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس ، زكت نفسه ، وطهرت سريرته ، وعصمه اللّه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وهو الأسوة الحسنة لمن ارسل إليهم ؟ ! ! ولو أنّ القصّة كانت صحيحة لذهبت بعصمة داود ، ولنفرت منه الناس ، ولكان لهم العذر في عدم الإيمان به ، فلا يحصل المقصد الذي من أجله ارسل الرسل ، وكيف يكون

--> ( 1 ) - . تفسير البغويّ ، ج 4 ، ص 58 - 64 . ؛ الدرّ المنثور ، ج 5 ، ص 300 - 301 . ( 2 ) - . تهذيب التهذيب ، ج 11 ، ص 309 . ( 3 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 31 .