الشيخ محمد هادي معرفة
176
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
سألته عنه . وأنّ الشياطين خافوا لو تزوّجها سليمان ، وجاءت بولد ، أن يبقوا في عبوديّته ، فصنعوا له هذا الصرح الممرّد « 1 » ، فظنّته ماءً ، فكشفت عن ساقيها لتعبره ، فإذا هي شعراء ، فاستشارهم سليمان ، ما يذهبه ؟ فجعلت له الشياطين النورة « 2 » . قال ابن كثير في تفسيره ، بعد أن ذكر بعض المرويّات : والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب ، ممّا وجد في صحفهم ، كرواية كعب ، ووهب ، فيما نقلاه إلى هذه الامّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد « 3 » ، والغرائب ، والعجائب ممّا كان ، وما لم يكن ، وممّا حُرّف ، وبُدّل ، ونُسخ . وقد أغنانا اللّه عن ذلك بما هو أصحّ منه ، وأنفع ، وأوضح ، وأبلغ ، وللّه الحمد والمنّة . * * * والحقّ أنّ سليمان عليه السلام أراد ببنائه الصرح أن يريها عظمة مُلكه ، وسلطانه ، وأنّ اللّه - سبحانه وتعالى - أعطاه من المُلك ، ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها ، فضلًا عن النبوّة التي هي فوق المُلك ، والتي دونها أيّة نعمة ، وحاشا لسليمان عليه السلام وهو الذي سأل اللّه أن يعطيه حكما يوافق حكمه - أي اللّه - ، فاوتيه أن يتحايل هذا التحايل ، حتّى ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه ، وهما ساقاها ، وهو أجلّ من ذلك وأسمى . ولولا أنّها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين ، والخُلق الرفيع ، لما أذعنت إليه لمّا دعاها إلى اللّه الواحد الحقّ ، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس ، وأسلمت مع سليمان للّه رب العالمين . * * *
--> ( 1 ) - . الصرح : هو القصر المشيّد المحكم البناء ، المرتفع في السماء ، والممرّد : الناعم الأملس . القوارير : الزجاج الشديد الصفاء . ( 2 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 3 ، ص 366 ؛ تفسير البغويّ ، ج 3 ، ص 507 و 508 . ( 3 ) - . جمع آبدة ، وهي الأمور المشكلة البعيدة المعاني ، وأصل الآبدة : النافرة من الوحش التي يُستعصى أخذها ، ثمّ شبّه بها الكلام المشكل العويص المعاني .