الشيخ محمد هادي معرفة

162

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

رَبِّي » أي إلّا مَن عصمه اللّه تعالى « إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ » . قال : وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصّة ومعاني الكلام ، وقد حكاه الماورديّ في تفسيره ، وجعله أوّل الوجهين في تفسير الآية . وبعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذي ذكرناه آنفا عن ابن عبّاس ، وتلاميذه ، وغيره قال : والقول الأوّل أقوى وأظهر ؛ لأنّ سياق الكلام كلّه من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك « 1 » . التفسير الصحيح لقوله تعالى : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها » قال أبو شهبة : والصحيح في تفسير قوله تعالى : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » « 2 » أنّ الكلام تمّ عند قوله تعالى : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ » وليس من شكّ في أن همّها كان بقصد الفاحشة ، « وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » . الكلام من قبيل التقديم والتأخير ، والتقدير : ولولا أن رأى برهان ربه لهَمَّ بها ، فقوله تعالى : « وَهَمَّ بِها » ، جواب « لَوْ لا » مقدّم عليها ، ومعروف في العربيّة أنّ « لَوْ لا » حرف امتناع لوجود ، أي امتناع الجواب لوجود الشرط ؛ فيكون « الهمّ » ممتنعا ؛ لوجود البرهان الذي ركّزه اللّه في فطرته . والمقدّم إمّا الجواب ، أو دليله ، على الخلاف في هذا بين النحويّين ، والمراد بالبرهان : هو حجّة اللّه الباهرة الدالّة على قبح الزّنى ، وهو شيء مركوز في فطر الأنبياء . ومعرفة ذلك عندهم وصل إلى عين اليقين ، وهو ما نعبّر عنه بالعصمة ، وهي التي تحول بين الأنبياء والمرسلين ، وبين وقوعهم في المعصية . ويرحم اللّه الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام حيث قال : البرهان : النبوّة التي أودعها اللّه في صدره ، حالت بينه وبين ما يُسخط اللّه . عز وجل وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دلّ عليه العقل من عصمة الأنبياء ، ويدعو إليه

--> ( 1 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 481 - 482 . وراجع : تفسير الماورديّ ، ج 3 ، ص 47 ؛ المنار ، ج 12 ، ص 323 . ( 2 ) - . يوسف 24 : 12 .