الشيخ محمد هادي معرفة
161
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله . وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر في قوله : « ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ » قال جبريل : ولا حين حللت السراويل ؟ إلى غير ذلك من المرويّات المكذوبة ، والإسرائيليّات الباطلة ، التي خرّجها بعض المفسّرين الذين كان منهجهم ذكر المرويّات ، وجمع أكبر قدر منها ، سواء منها ما صحّ وما لم يصحّ . والإخباريّون الذين لا تحقيق عندهم للمرويّات ، وليس أدلّ على ذلك من أنّها لم يخرجها أحد من أهل الكتب الصحيحة ، ولا أصحاب الكتب المعتمدة الذين يرجع إليهم في مثل هذا . القرآن يردّ هذه الأكاذيب وقد فات هؤلاء الدسّاسين الكذّابين أنّ قوله تعالى : « ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ . . . » الآيتين ، ليس من مقالة سيّدنا يوسف عليه السلام وإنّما هو من مقالة امرأة العزيز ، وهو ما يتّفق وسياق الآية ، ذلك : أنّ العزيز لمّا أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن ، قال له : ارجع إلى ربّك ، فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ؟ فأحضر النسوة ، وسألهنّ ، وشهدن ببراءة يوسف ، فلم تجد امرأة العزيز بُدّا من الاعتراف ، فقالت : « الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ » إلى قوله : « وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ » فكلّ ذلك من قولها ؛ ولم يكن يوسف حاضرا ثَمّ ، بل كان في السجن ، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده العزيز ؟ وقد انتصر لهذا الرأي الذي يوائم السياق والسباق الإمام الشيخ محمّد عبده ، في تفسير المنار . وهو آخر ما رقمه في تفسير القرآن . وهكذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره « ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ » : تقول : إنّما اعترفتُ بهذا على نفسي ، ليعلم زوجي أنّي لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ، ولا وقع المحذور الأكبر . وإنّما راودت هذا الشابّ مراودة ، فامتنع ؛ فلهذا اعترفت ليعلم أنّي بريئة ، « وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي » تقول المرأة : ولست أُبرّئ نفسي ، فإنّ النفس تتحدّث ، وتتمنّى ؛ ولهذا راودته ؛ لأنّ « النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ