الشيخ محمد هادي معرفة
158
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الهمّ : « كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » « 1 » ، فهل يستحقّ هذا الثناء من حلّ التكّة ، وخلع السروال ، وجلس بين رجليها ؟ ! ولا أدري أنصدّق اللّه تبارك وتعالى أم نصدّق كذبة بني إسرائيل ومخرفيهم ؟ ! ! بل كيف يتّفق ما روى هو وما حكاه اللّه عز وجل عن زليخا بطلة المراودة ، حيث قالت : « أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ » « 2 » وهو اعتراف صريح من البطلة التي أعيتها الحيل عن طريق التزيّن حينا ، والتودّد إليه بمعسول القول حينا آخر ، والإرهاب والتخويف حينا ثالثا ، فلم تفلح : « لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ » « 3 » . وانظر ماذا كان جواب السيّد العفيف ، الكريم ابن الكريم : « قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » « 4 » وقصده عليه السلام بقوله : « وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ . . . » : تبرّؤٌ من الحول والطول ، وأنّ الحول والقوّة إنّما هما من اللّه ، وسؤال منه لربّه ، واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهنّ ، وهكذا شأن الأنبياء . بل قد شهد الشيطان نفسه ليوسف عليه السلام في ضمن قوله ، كما حكاه اللّه سبحانه عنه بقوله : « قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 5 » ، ويوسف بشهادة الحقّ السالفة من المخلصين . وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها « 6 » ، فقال : « إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ » « 7 » ، وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة
--> ( 1 ) - . يوسف 24 : 12 . قرئ في السبع بضمّ الميم وفتح اللام ، أي الذين اصطفاهم واختارهم لنبوّته ورسالته ، وقرئ بكسر اللام ، أي الذين أخلصوا للّه التوحيد والعبادة ، والمعنى الثاني لازم للأوّل ، فمن اصطفاه اللّه لا بدّ أن يكون مخلصا . ( 2 ) - . يوسف 51 : 12 . ( 3 ) - . يوسف 32 : 12 . ( 4 ) - . يوسف 33 : 12 و 34 . ( 5 ) - . ص 82 : 38 و 83 . ( 6 ) - . قيل : كان رجلًا عاقلًا حكيما مجرّبا من خاصّة الملك ، وكان من أهلها ، وقيل : كان صبيّا في المهد وكان ذلك إرهاصا بين يدي نبوّة يوسف ، إكراما له . ( 7 ) - . يوسف 26 : 12 - 28 .