الشيخ محمد هادي معرفة

159

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

زليخا ، امرأة العزيز . فكيف تتّفق كلّ هذه الشهادات الناصعة الصادقة ، وتلك الروايات المزوّرة ؟ ! ! وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبريّ ، والثعلبيّ ، والبغويّ ، وابن كثير ، والسيوطيّ ، وقد مرّ بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيا من غير أن ينبّه إلى زيفها ، وهذا غريب ! ! ومن العجيب حقّا أنّ ابن جرير يحاول أن يُضعِّف في تفسيره مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور والبهتان ، ويفسّرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة وقواعد الشرع ، وما جاء في القرآن والسنّة الصحيحة الثابتة ، ويعتبر هذه المرويّات التي سقنا لك زورا منها آنفا ؛ هي قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم « 1 » ، وكذلك تابعه على مقالته تلك الثعلبيّ والبغويّ في تفسيريهما « 2 » ! ! وهذه المرويّات الغثّة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم ، ويجزم العقل والنقل باستحالتها على الأنبياء عليهم السلام هي التي اعتبرها الطبريّ ومن تبعه « أقوال السلف » ! ! بل يسير في خطّ اعتبار هذه المرويّات ، فيورد على نفسه سؤالًا ، فيقول : فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا وهو للّه نبيّ ؟ ! ثمّ أجاب بما لا طائل تحته ، ولا يليق بمقام الأنبياء « 3 » . قاله الواحديّ في تفسيره البسيط . وأعجب من ذلك ما ذهب إليه الواحديّ في البسيط قال : قال المفسّرون الموثوق بعلمهم ، المرجوع إلى روايتهم ، الآخذون للتأويل ، عمّن شاهدوا التنزيل : هَمّ يوسف عليه السلام بهذه المرأة همّا صحيحا ، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة ، فلمّا رأى البرهان من ربّه زالت كلّ شهوة منه . وهي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمّة لا نرضاها ، ولولا أنّنا ننزّه لساننا وقلمنا عن الهجر من القول ، وأنّهم خلطوا في مؤلّفاتهم عملًا صالحا وآخر سيّئا لقسونا عليهم ، وحقّ لنا هذا ، والعصمة للّه .

--> ( 1 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 12 ، ص 110 . ( 2 ) - . تفسير البغويّ ، ج 2 ، ص 484 . ( 3 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 12 ، ص 109 و 110 .