الشيخ محمد هادي معرفة

119

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

استمالة العوامّ ، فجعلوا يختلقون القصص والأساطير الخرافيّة ، وروّجوا الأباطيل . وفي هذا الكثير من الإسرائيليّات والخرافات العامّيّة ، ما يتصادم مع العقيدة الإسلاميّة ، وقد تلقّفها الناس منهم ؛ لأنّ من طبيعة العوام الميل إلى العجائب والغرائب . يقول ابن قتيبة بشأن القصّاصين وشعوذتهم : إنّهم يميلون وجه العوامّ إليهم ، ويستدرّون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث . ومن شأن العوامّ القعود عند القاصّ ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول ، أو كان رقيقا يحزن القلوب . فإن ذكر الجنّة قال : فيها الحوراء من مسك أو زعفران ، وعجيزتها ميل في ميل ، ويبوِّئ اللّه وليّه قصرا من لؤلؤة بيضاء ، فيها سبعون ألف مقصورة ، في كلّ مقصورة سبعون ألف قبّة ، ولا يزال هكذا في السبعين ألفا ، لا يتحوّل عنها « 1 » . ومن هؤلاء القُصّاص ، من كان يبتغي الشهرة والجاه بين الناس . ومنهم ، من كان يقصد التعيّش والارتزاق . ومنهم ، من كان سيّئ النيّة خبيث الطويّة ، يقصد الإفساد في عقائد الناس ، وربّما حَجْب جمال القرآن وتشويه سمعة الإسلام ، بما يأتي من تفاسير باطلة وخرافات تتنافى العقول . قال أبو شهبة : وقد حدثت بدعة القصّ في آخر عهد عمر ، وفيما بعد صارت حرفة ، ودخل فيه من لا خلاق له في العلم ، وقد ساعدهم على الاختلاق ، أنّهم لم يكونوا من أهل الحديث والحفظ ، وغالب من يحضرهم جُهّال . فجالوا وصالوا في هذا الميدان وأتوا بما لا يقضي منه العجب « 2 » . ويظهر أنّه اتّخذ القَصَص أداةً سياسيّة وراء ستار التذكير والترهيب ، يستعين بها أرباب السياسات في دعم سياساتهم وتوجيه العامّة نحوها ، كالتي نشاهدها . وقد حدثت في عهد معاوية ، وهو أوّل من أبدع مزج السياسة بالوعظ الإرشاديّ ، ومن ثَمَّ ارتفع شأن القصص حتّى أصبح عملًا رسميّا يعهد إلى رجال رسميّين يُعطَون عليه أجرا . وفي كتاب

--> ( 1 ) - . تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ، ص 279 - 280 . ( 2 ) - . الإسرائيليّات والموضوعات ، ص 89 - 90 .