الشيخ محمد هادي معرفة
120
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
القضاة للكنديّ أنّ كثيرا من القضاة كانوا يعيّنون قُصّاصا أيضا . وأوّل من قصَّ بمصر سليمان بن عتر التُجيبيّ في سنة ( 38 ه . ) ، وجمع له القضاء والقصص ، ثمّ عزل عن القضاء وأفرد بالقصص . وهكذا أمر معاوية - في هذا الوقت - رجالًا يقصّون في المساجد بعد صلاة الصبح وبعد المغرب ، يدعون له ولأهل ولايته كلّ صباح ومساء . وصورة القصص : أن يجلس القاصّ في المسجد وحوله الناس ، فيذكّرهم اللّه ويقصّ عليهم حكايات وأحاديث وقصصا عن الأمم السالفة ، وأساطير ونحو ذلك ، ولا يتحرّون الصدق ما دام الغرض هو الترغيب والترهيب والتوجيه الخاصّ ، مهما كانت الوسيلة ، جريا مع قاعدة « الغاية تُبرّر الواسطة » . قال اللّيث بن سعد : هما قصصان : قصص العامّة وقصص الخاصّة . فأمّا قصص العامّة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكّرهم . فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه . وأمّا قصص الخاصّة فهو الذي جعله معاوية ، ولّى رجلًا على القصص ، فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس وذكر اللّه وحمده ومجّده وصلّى على النبيّ ، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنوده ، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافّة « 1 » . وقد نما القَصَص بسرعة ؛ لأنّه كان يتّفق وميول العامّة ، فضلًا عن اتّفاقها مع الاتّجاهات السياسيّة الظالمة في الأغلب . وقد أَكْثَرَ القُصّاصُ من الأكاذيب والافتعالات ، يصحبها كثير من التّهم والافتراءات ، فأتوا بالطامّات الكبرى وضلالات . وقد عدّ الغزّاليّ ذلك من منكرات المساجد المحرّمة والمبتدعات الباطلة ، قال : فلا يجوز حضور مجلسه ، إلّا على قصد إظهار الردّ عليه ، فإن لم يقدر فلا يجوز سماع البدعة ، قال اللّه تعالى لنبيّه : « فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » « 2 » .
--> ( 1 ) - . الخطط المقريزيّة ، ج 3 ، ص 199 ، منشورات دار العرفان ، مطبعة الساحل الجنوبيّ - شيّاح - لبنان ؛ فجر الاسلام ، ص 160 . ( 2 ) - . إحياء العلوم لأبي حامد الغزّاليّ ، ج 2 ، ص 331 ط 1939 . الأنعام ( 6 ) : 68 .