الشيخ محمد هادي معرفة
103
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
زاملتين « 1 » من كتب اليهود ، فكان يحدّث منهما . ويبرّر ذلك بما رواه عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : « حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » . رواه البخاريّ بإسناده عنه « 2 » . هكذا فهم من هذا الحديث ، جواز الرواية عنهم ، حسبما ذكره ابن تيميّة « 3 » . وأضاف إليه حديثا آخر اختلقه بهذا الشأن ، قال : رأيت فيما يرى النائم كأنّ في إحدى إصبعيّ سمنا وفي الأخرى عسلًا فأنا ألعقهما . فلمّا أصبحت ذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : تقرأ الكتابين ، التوراة والفرقان . ومن ثمّ كان يقرأهما « 4 » . وكانت له صحيفة يسمّيها الصادقة زعم أنّه كتبها من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن إجازته له في كتابتها . قال : استأذنت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته . فكان يسمّي صحيفته تلك الصادقة . قال مجاهد : رأيت عنده صحيفة فسألت عنها ، فقال : هذه الصادقة ، فيها ما سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ليس بيني وبينه فيها أحد « 5 » . روى البخاريّ بإسناده إلى هَمّام بن منبّه عن أخيه وهب ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أحد أكثر حديثا عنه منّي إلّا ما كان من عبد اللّه بن عمرو ، فإنّه كان يكتب ولا أكتب « 6 » . ولقد كان ضعيف الرأي وهن السلوك ، كان قد صحب أباه في الوقوف مع معاوية في وقعة صفّين ، في حين أنّه كان يعلم أنّهم كانوا هم الفئة الباغية على ما وصفهم بها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وقد اعتذر لذلك بأنّه كان لوصيّة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إيّاه أن يتابع أباه عمرو بن
--> ( 1 ) - . الزاملة : الملفّة ، من زمّل الشيء بثوبه أو في ثوبه : لفّه . وربّما كانت حمل بعير ، وهكذا عبّر عنها ابن حجر فتح الباري ، ج 1 ، ص 184 ، قال : إنّ عبد اللّه كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب ، فكان ينظر فيها ويحدّث منها ، ومن ثمّ تجنّب الأخذ عنه كثير من أئمّة التابعين . وعبّر عنها أبو شهبة : بحمل بعيرين ( الإسرائيليّات والموضوعات في كتب التفسير ، ص 54 و 92 ) . ( 2 ) - . جامع البخاريّ ، ج 4 ، ص 207 . ( 3 ) - . مقدّمة في أصول التفسير ، ص 45 . ( 4 ) - . سير أعلام النبلاء ، ج 3 ، ص 86 ؛ مسند أحمد ، ج 2 ، ص 222 ؛ حلية الأولياء لأبي نعيم ، ج 1 ، ص 286 . ( 5 ) - . طبقات ابن سعد ، ج 2 ، ق 2 ، ص 125 . ( 6 ) - . جامع البخاريّ ، ج 1 ، ص 39 ، باب كتابة العلم ؛ راجع : فتح الباري ، ج 1 ، ص 184 .